أحمد بن محمود السيواسي
165
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
( الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ ) وإنما كررت الصيغتان لقصد التأكيد والإيذان بأن كل واحد من أفرادهما لا يصلح إلا لصاحبه ، ويجوز أن يراد ب « الْخَبِيثاتُ » و « الطَّيِّباتُ » النساء ، أي الزناة يتزوجن « 1 » الزواني وبالعكس ، وكذلك أهل الطيب ، أي العفائف للعفيفين وبالعكس ( أُولئِكَ ) أي الطيبون والطيبات أو عائشة وصفوان ، لأن أقل الجمع اثنان ( مُبَرَّؤُنَ ) أي منزهون ( مِمَّا يَقُولُونَ ) أي الخبيثون والخبيثات فيهم من القذف ( لَهُمْ ) أي للطيبين والطيبات ( مَغْفِرَةٌ ) من ذنوبهم لأجل الافتراء عليهم ( وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) [ 26 ] أي الجنة . [ سورة النور ( 24 ) : آية 27 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 27 ) ثم قال اللّه تعالى تعليما للأدب ودفعا للتهمة عن أهل الإيمان ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ ) أي لا تدخلوا غير بيوتكم ( حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا ) ف « حَتَّى » غاية لنهي الدخول ، أي حتى تستأذنوا من الاستئناس الذي هو الاستعلام ، ويجوز أن يكون من الاستئناس الذي هو ضد الاستيحاش ، لأن من يطرق باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا ، فهو كالمستوحش من خفاء الحال عليه ، فإذا أذن له استأنس ، وعن النبي عليه السّلام في معنى الاستئناس حين سئل عنه فقال : « هو أن يتكلم الرجل بالتسبيحة والتكبيرة والتحميدة يتنحنح يؤذن أهل البيت » « 2 » ( وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ) والتسليم أن يقول : السّلام عليكم أأدخل ثلاث مرات ، فان أذن له وإلا رجع ( ذلِكُمْ ) أي الاستئذان والتسليم ( خَيْرٌ لَكُمْ ) من تركه ومن تحية الجاهلية وهي حييتم صباحا وحييتم مساء ومن دخول البيت بلا إذن ، لأنه إذا دخل بلا إذن فربما صادف الرجل مع امرأته في ثوب واحد ، فنهوا عن ذلك بهذه الآية ، قال بعضهم : إن رأى إنسانا قدم التسليم وإن لم يره قدم الاستئذان ثم يسلم ، روي : « أن رجلا قال يا رسول اللّه أأستأذن على أمي ؟ قال : نعم ، فقال : ليس لها خادم غيري أأستأذن عليها ؟ قال : أتحب أن تراها عريانة ، قال : لا ، قال : فاستأذن » « 3 » ( لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) [ 27 ] أي تتعظون . [ سورة النور ( 24 ) : آية 28 ] فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ( 28 ) ( فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها ) أي في البيوت ( أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ ) في الدخول ( وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ) عند الاستئذان للدخول ( ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ) ولا تلحوا في الدخول ( هُوَ ) أي الرجوع ( أَزْكى لَكُمْ ) أي أطهر لقلوبكم من الريبة والدخول بغير إذن ، ولا تقفوا على الأبواب منتظرين ، لأن هذا مما يجلب الكراهة ويقدح في قلوب الناس ، وإذا نهي عن ذلك لأدائه إلى الكراهية وجب الانتهاء عن مقدماته من قرع الباب بعنف والتصييح لصاحب الدار وغير ذلك من العادات مما يستكره عندهم ، فان عرض أمر في دار من حريق أو هجوم سارق أو ظهور منكر يجب إنكاره جاز الدخول بغير إذن ، لأنه مستثنى بالدليل ( وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) [ 28 ] من خير وشر . [ سورة النور ( 24 ) : آية 29 ] لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ ( 29 ) ونزل في الخانات والبيوت على ظهر طريق لا يناكر فيها قوله « 4 » ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ
--> ( 1 ) يتزوجن ، و : يتزوجون ، ح ي . ( 2 ) انظر الكشاف ، 4 / 122 . ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث المعتبرة التي راجعتها . ( 3 ) رواه مالك ، الاستئذان ، 1 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 4 / 122 . ( 4 ) اختصره من السمرقندي ، 2 / 436 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 4 / 190 .