أحمد بن محمود السيواسي

144

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

تفصيل خلق الإنسان وترك ذكر المميز وهو تقدير لدلالة الخالقين عليه ، وهو تمييز أفعل التفضيل لا تأكيد ، لأنه ينصب اسما منكرا على التمييز خاصة ، و « أَحْسَنُ » بدل من « اللَّهُ » وليس بصفة ، لأنه نكرة وإن أضيف ، لأن المضاف إليه عوض من كلمة « من » ، روي : « أن عبد اللّه بن أبي السرح كاتب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تكلم بذلك قبل إملائه ، فقال له رسول اللّه عليه وسلم : اكتبه هكذا أنزلت ، فقال عبد اللّه إن كان محمد نبيا يوحى إليه فأنا نبي يوحى إلي فلحق بمكة مرتدا ، ثم أسلم بعد الفتح » « 1 » ، وقيل : هذه الرواية غير صحيحة لأن هذه الآية مكية وارتداده كان بالمدينة « 2 » . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 15 إلى 16 ] ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ( 15 ) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ ( 16 ) ( ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ ) أي بعد تمام خلقكم ( لَمَيِّتُونَ ) [ 15 ] أي تموتون عند انقضاء آجالكم ( ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ ) [ 16 ] أي تحيون بعد الموت فلا تكونوا منكرين بذلك كما لا تنكرون ابتداء خلقكم وذكر الحيوتين لا ينفي الثالثة وهي حيوة القبر . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 17 ] وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ ( 17 ) ( وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ ) هذا ذكر قدرة خلق هو أعظم من خلقهم ليستدلوا به أنه قادر على بعثهم بعد الموت ، أي خلقنا سبع سماوات مع ما فيها من النيرات التي تطلع وتغرب ، وسميت « طرائق » لتطارق بعضها فوق بعض ، وكل شيء فوقه مثله فهو طريقة كطارقة النعل أو هي طرق الملائكة أو الكواكب ، لأن سيرها فيها ، قيل : « كل سماء غلظها مسيرة خمسمائة عام وما بين كل سماء كذلك » « 3 » ( وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ ) [ 17 ] أي لا نغفل عن خلق السماوات وحفظهن من أن يقع عليهم أو الخلق الناس ، أي إنما خلقها فوقهم ليفتح عليهم الارزاق وما ينفعهم من أنواع المنافع . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 18 ] وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ ( 18 ) ( وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ ) أي بتقدير ووزن يأمنون معه من المضرة ويصلون إلى المنفعة ، أي بمقدار يكفيهم في مصالحهم ومعاشهم ، قيل : « ليست سنة بأمطر من سنة ولكن اللّه يصرفه حيث يشاء » « 4 » ( فَأَسْكَنَّاهُ ) أي فأدخلنا ذلك الماء ( فِي الْأَرْضِ ) فأخرجنا منه ينابيع ، قيل : منه الغدران والركايا « 5 » وكل ماء في الأرض من السماء ( وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ ) أي على إزالته ( لَقادِرُونَ ) [ 18 ] بأن يغور في الأرض فلا يقدر عليه فيموتون مع دوابهم عطشا فيجب عليهم أن يستعظموا نعمة الماء بشكر منعمه دائما ويخافوا بغارها إذا لم يشكروه عليها . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 19 ] فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ ( 19 ) ( فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ ) أي بالماء ( جَنَّاتٍ ) أي بساتين ( مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ) أي أنواعها سوى النخيلة والأعناب ( وَمِنْها تَأْكُلُونَ ) [ 19 ] . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 20 ] وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ ( 20 ) قوله ( وَشَجَرَةً ) نصب عطف على « جَنَّاتٍ » ( تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ ) بكسر السين وفتحها « 6 » ، هو جبل فلسطين أو جبل بين مصر وأيلة ، ومنه نودي موسى ، وأضيف طور إلى بقعة تسمى بسيناء وبسينين وتلك الشجرة شجرة الزيتون ، وخص الأنواع الثلاثة النخل والعنب والزيتون بالذكر ، لأنها أكثر الأشجار نفعا عندهم ( تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ ) بضم التاء وكسر الباء من الإنبات ، فالباء زائدة فيه ليدل على ملازمة الإنبات للدهن ،

--> ( 1 ) عن ابن عباس ، انظر السمرقندي ، 2 / 410 . ( 2 ) أخذه المؤلف عن السمرقندي ، 2 / 410 . ( 3 ) عن مقاتل والكلبي ، انظر السمرقندي ، 2 / 410 . ( 4 ) عن ابن مسعود ، انظر السمرقندي ، 2 / 411 . ( 5 ) قد أخذه المصنف عن السمرقندي ، 2 / 411 . ( 6 ) « سيناء » : كسر السين المدنيان والمكي والبصري ، وفتحها سواهم . البدور الزاهرة ، 218 .