أحمد بن محمود السيواسي
135
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
ثم قال تسلية للنبي عليه السّلام ( وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ ) أي إن يكذبك قومك يا محمد ( فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ [ 42 ] وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ [ 43 ] وَأَصْحابُ مَدْيَنَ ) شعيبا ، أي فقد كذب الأنبياء قبلك أممهم فصبروا وإنما قال ( وَكُذِّبَ مُوسى ) مجهولا ولم يقل « وكذب قوم موسى » ، لأن قومه بني إسرائيل « 1 » لم يكذبوه وإنما كذبه القبط ( فَأَمْلَيْتُ ) أي أمهلت ( لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ) أي عاقبتهم بعد المهل بالعذاب ( فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ) [ 44 ] أي إنكاري عليهم باهلاكهم ، يعني وجدوه حقا ويسجده قومك إن لم يؤمنوا ، ثم أبدل من « فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ » ( فَكَأَيِّنْ ) أي فكم ( مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها ) وهو مفسر لناصب « كأين » « 2 » ، وقرئ « أهلكتها » « 3 » ، أي أهلها ( وَهِيَ ظالِمَةٌ ) أي مشرك أهلها في محل النصب على الحال ، ثم عطف على « أَهْلَكْناها » وإن لم يكن لهذا الفعل محل « 4 » قوله ( فَهِيَ خاوِيَةٌ ) أي ساقطة ( عَلى عُرُوشِها ) أي على سقوفها « 5 » بأن سقطت تلك أولا ثم سقطت عليها الحيطان ف « عَلى » متعلق ب « خاوِيَةٌ » « 6 » ( وَبِئْرٍ ) بالهمز ، وقرئ بالتخفيف « 7 » عطف « 8 » على « قَرْيَةٍ » ، أي وكم « 9 » بئر ( مُعَطَّلَةٍ ) أي خالية من ساكن مع وجود الماء وآلاتها فيها لهلاك أربابها ( وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ) [ 45 ] أي مشيد مجصص مرتفع محكم أخليته باهلاك أصحابها ، يعني وكم بئر عطلنا عن سقاتها وكم « 10 » قصر مرتفع أخليناه عن ساكنيه « 11 » فترك ذلك لدلالة معطله عليه ، قيل : هذا بئر نزل عليها صالح مع أربعة آلاف نفر ممن آمن به ونجاهم اللّه من العذاب فهي بحضرموت ، وسمي البقعة بذلك لأن صالحا لما حضرها مات « 12 » . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 46 ] أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ( 46 ) ( أَ فَلَمْ يَسِيرُوا ) أي كفار مكة ( فِي الْأَرْضِ ) فينظروا ذلك ويعترفوا فيؤمنوا ( فَتَكُونَ ) أي لتكون ( لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ) بالنظر والعبرة ( أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ) التخويف ( فَإِنَّها ) الضمير للقصة وما بعده خبر « إن » ، أي إن القصة والشأن ( لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) [ 46 ] وهو تفسير للضمير المبهم ، وذكر « الصُّدُورِ » للتأكيد وتقرير أن مكان العمى هو القلب لا البصر لما ثبت في العرف أن مكان العمى هو البصر فنفي ذلك بفضل تعريف وتبيين بذكر الصدور . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 47 ] وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ( 47 ) ( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ ) الآية نزلت لما قالوا متى هذا الوعد « 13 » ، والمستعجل ( بِالْعَذابِ ) هو النضر بن الحارث ( وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ ) في العذاب ( وَإِنَّ يَوْماً ) من أيام اللّه للعذاب الذي استعجلوه ( عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) [ 47 ] بالتاء والياء « 14 » في الدنيا في الشدة وهذا وصف يومهم وطول عذابهم وبيان أنه تعالى يقدر على أخذهم متى شاء ولا يستعجل ، فإذا كان الأمر كذلك فكيف يستعجلونه .
--> ( 1 ) بني إسرائيل ، و : بنو إسرائيل ، ح ي . ( 2 ) وهو مفسر لناصب كأين ، و : - ح ي . ( 3 ) « أهلكناها » : قرأ البصريان بتاء مثناة مضمومة بعد الكاف من غير ألف ، وغيرهما بنون مفتوحة بعد الكاف بعدها ألف . البدور الزاهرة ، 216 . ( 4 ) وإن لم يكن لهذا الفعل محل ، و : - ح ي . ( 5 ) على سقوفها ، و : سقفها ، ح ي . ( 6 ) فعلى متعلق بخاوية ، و : - ح ي . ( 7 ) وَبِئْرٍ » : أبدل الهمز مطلقا ورش والسوسي وأبو جعفر ، وفي الوقف حمزة . البدور الزاهرة ، 216 . ( 8 ) عطف ، وي : عطفا ، ح . ( 9 ) وكم ، ح و : - ي . ( 10 ) كم ، ح و : - ي . ( 11 ) ساكنيه ، وي : ساكنه ، ح . ( 12 ) نقله المؤلف عن البغوي ، 4 / 122 - 123 . ( 13 ) أخذه عن البغوي ، 4 / 123 . ( 14 ) « تعدون » : قرأ المكي والأخوان وخلف بياء الغيبة وغيرهم بتاء الخطاب . البدور الزاهرة ، 216 .