أحمد بن محمود السيواسي

133

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

أي لعلة ذكرهم اللّه عند النحر ، وقرئ « منسكا » بالفتح مصدر « 1 » ، أي شرعنا لكل أمة أن يتقرب بالذبح للّه من الذبائح ( فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ ) أي للّه ( أَسْلِمُوا ) أي أخلصوا الذكر بالتسمية عند الذبيحة وفي التلبية سالما عن شوب الشرك ( وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ) [ 34 ] أي المطيعين المتواضعين في العبادة ، وأصل الخبت الانخفاض من المكان . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 35 ] الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 35 ) قوله ( الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ ) صفة كاشفة ل « المخبتين » ، أي هم الذين « 2 » إذا ذكر اللّه عندهم ( وَجِلَتْ ) أي خافت ( قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ ) عطف على « الَّذِينَ » ، أي والذين صبروا ( عَلى ما أَصابَهُمْ ) من المحن والمصائب في أوقاتها ( وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) [ 35 ] في طاعة اللّه ، فهذه الخصال الأربع للمخبتين . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 36 ] وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 36 ) ( وَالْبُدْنَ ) منصوب بمضمر كقوله « وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ » « 3 » ، جمع بدنة ، وهي الإبل خاصة بدليل إلحاق النبي عليه السّلام البقرة بالإبل حين قال : « البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة » « 4 » ( جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ ) أي من أعلام دينه ( لَكُمْ فِيها ) أي في نحرها ( خَيْرٌ ) أي أجر في الآخرة ومنفعة في الدنيا ( فَاذْكُرُوا ) عند نحرها ( اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ ) حال من الهاء في « عَلَيْها » ، أي قائمة على القوائم الأربع ، وقرأ ابن عباس « صوافن » « 5 » ، والصوافن التي تقوم على ثلاث قوائم « 6 » وتنصب الرابعة « 7 » بمعنى على ثلاث قد عقلت يدها الواحدة ، والآية دلت على أن الإبل تنحر قائمة ( فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها ) أي سقطت على الأرض بجنبها بعد النحر وسكنت حركتها ( فَكُلُوا مِنْها ) أي حل لكم الأكل منها والإطعام ، وكان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم فرخص للمسلمين بقوله « فَكُلُوا مِنْها » ( وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ ) أي الذي يقنع بما أعطى من غير سؤال ( وَالْمُعْتَرَّ ) أي الذي تعرض « 8 » بالسؤال ، قيل : « السنة أن يأكل الرجل من لحم أضحيته قبل أن يتصدق » « 9 » ( كَذلِكَ ) أي مثل ذلك التسخير الذي رأيتم وعلمتم ( سَخَّرْناها لَكُمْ ) فيه إظهار منة اللّه تعالى على عباده ، أي ذللناها مطيعة منقادة بأن تعقل وتنحر أو تركب وتحمل ولولا تسخير اللّه لم تطق ، فاعتبروا عبرة منه ( لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) [ 36 ] أي لكي تشكروا ربكم على هذه النعمة . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 37 ] لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ( 37 ) قوله ( لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها ) نزل حين أراد المسلمون أن يلطخوا بيت اللّه بدم النحر ، ويقولون اللهم تقبل منا كفعل أهل الجاهلية إذا نحروا البدن لينتهوا عنه « 10 » ، أي لن يصيب رضا اللّه اللحوم المتصدق بها ولا الدماء المهراقة بالنحر ( وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ ) أي يناله العمل الخالص له مع الإيمان وهو التقوى ( كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ ) كرره تذكيرا للنعمة بالتسخير تقريرا لها ( لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ ) أي لتعظموه ( عَلى ما هَداكُمْ ) أي أرشدكم إلى معالم دينه ومناسك حجه ، والمراد من التكبير الشكر ولذا عدي ب « على » ( وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ) [ 37 ] وهم الذين فعلوا ما في الآية قبله أو الذين أحسنوا بذبح « 11 » غير معيب بالجنة .

--> ( 1 ) « منسكا » : كسر السين الأخوان وخلف وفتحها سواهم . البدور الزاهرة ، 215 . ( 2 ) الذين ، و : - ح ي . ( 3 ) يس ( 36 ) ، 39 . ( 4 ) رواه الترمذي ، الحج ، 66 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 4 / 84 . ( 5 ) قرأ ابن مسعود هذه الكلمة هكذا ، انظر البغوي ، 4 / 119 . ( 6 ) الصوافن التي تقوم على ثلث قوائم ، ح ي : - و . ( 7 ) وتنصب الرابعة ، ح : - وي . ( 8 ) تعرض ، ح و : يعرض ، ي . ( 9 ) عن الزهري ، انظر السمرقندي ، 2 / 395 . ( 10 ) نقله عن السمرقندي ، 2 / 395 - 396 . ( 11 ) بذبح ، ح ي : - و .