أحمد بن محمود السيواسي
13
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
لأن الأمر لا يكون إلا بها ، فحذف المأمور به بدليل قوله ( فَفَسَقُوا ) أي فعصوا ( فِيها فَحَقَّ ) أي وجب ( عَلَيْهَا الْقَوْلُ ) أي العذاب ( فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ) [ 16 ] أي جزيناها بإهلاك من فيها بالاستئصال . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 17 ] وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ( 17 ) ( وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ ) بيان وتمييز ل « كَمْ » ، و « كَمْ » مفعول « أَهْلَكْنا » ، و « القرن » أربعين سنة « 1 » ، وقيل : ثمانون « 2 » ، وقيل : مائة ، وهو الأصح لما نقله عبد اللّه بن بشر المازني عن النبي « 3 » صلّى اللّه عليه وسلّم « 4 » ، أي أهلكنا قرونا كثيرة كعاد وثمود وقوم لوط ( مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ ) الباء زائدة فيه ( بِذُنُوبِ عِبادِهِ ) يتعلق بقوله ( خَبِيراً بَصِيراً ) [ 17 ] وهما منصوبان على الحال من « ربك » ، أي كفى اللّه عالما بسرهم وجهرهم قادرا على أخذهم ومجازاتهم لا يغفل عنهم ولا يعجز عن عقابهم ، وفيه تهديد شديد لهذه الأمة وتنبيه على أن الذنوب أسباب الهلكة لا غير . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 18 ] مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً ( 18 ) ( مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ ) أي ثواب الدنيا بعمله ( عَجَّلْنا لَهُ فِيها ) أي أعطينا له في الدنيا ( ما نَشاءُ ) من البسط والتقتير لا ما يشاء هو ، وأبدل من « لَهُ » بدل البعض بتكرير العامل قوله ( لِمَنْ نُرِيدُ ) إن نهلكه كالمنافق والمرائي والمهاجر للدنيا « 5 » والمجاهد للذكر والغنيمة ( ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ ) أي أوجبناها له ( يَصْلاها ) أي يدخلها ( مَذْمُوماً مَدْحُوراً ) [ 18 ] أي مطرودا من الرحمة مبعدا من كل خير . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 19 ] وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ( 19 ) ( وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ ) من الناس بعمله ( وَسَعى لَها سَعْيَها ) أي كما هو حقه فليس مشوبا بغرض من أغراض الدنيا ( وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) أي مخلص في إيمانه فما يبالي أوتي في الدنيا حظا من الحظوظ أو لم يؤت ( فَأُولئِكَ ) أي أهل هذه الصفة ( كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ) [ 19 ] أي مقبولا بالثواب . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 20 ] كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ( 20 ) ( كُلًّا ) أي كل واحد من المؤمنين والكافرين ( نُمِدُّ ) أي نعطي ( هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ ) ما قسم لهم ، فمحل « هؤُلاءِ » نصب بدل من « كُلًّا » ، وهو مفعول « نُمِدُّ » ( مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ ) أي من زرقه ، يعني نرزق المطيع العاصي جميعا ثم يختلف بهما الحال في المآل ( وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ ) أي رزقه ( مَحْظُوراً ) [ 20 ] أي ممنوعا عن خلقه للعصيان ، والمراد من ال « عَطاءِ » الدنيا وإلا فلاحظ للكفار في الآخرة ، والآخرة مختصة بالمؤمن . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 21 ] انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ( 21 ) ( انْظُرْ ) يا محمد بعين العبرة ( كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ) أي جعلناهم متفاوتين في التفضل ، أي في الرزق والعمل الصالح ، يعني طالب الدنيا وطالب الآخرة ونصب « كَيْفَ » على الحال ب « فَضَّلْنا » ( وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ ) أي أفضلها للمؤمنين مما فضلوا في الدنيا ( وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ) [ 21 ] أي في الثواب لهم ، قيل : « الرجل الأعلى في الجنة يرى فضله على من هو أسفل منه فيها ، والرجل الأسفل لا يرى أن فوقه أحدا » « 6 » . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 22 ] لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً ( 22 ) ثم قال مخاطبا للنبي عليه السّلام ومسمعا لغيره ( لا تَجْعَلْ ) يا محمد ( مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ ) أي فتبقى في النار ( مَذْمُوماً ) أي يذمك الناس ( مَخْذُولًا ) [ 22 ] أي ذليلا بلا ناصر .
--> ( 1 ) أخذه عن البغوي ، 3 / 488 . ( 2 ) عن الكلبي ، انظر البغوي ، 3 / 488 . ( 3 ) نقله عن البغوي ، 3 / 488 . ( 4 ) القرن أربعين سنة وقيل ثمانون وقيل مائة وهو الأصح . . . النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ب س : - م . ( 5 ) والمهاجر للدنيا ، ب س : - م . ( 6 ) عن الضحاك ، انظر السمرقندي ، 2 / 264 .