أحمد بن محمود السيواسي
127
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة الحج ( 22 ) : آية 8 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ ( 8 ) ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ ) أي في دينه ( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) أي علم ضروري وهو العلم العقلي ( وَلا هُدىً ) أي بلا حجة موصلة إلى المعرفة ( وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ ) [ 8 ] أي وحي واضح منزل للبيان ، بل يجادل بالظن بلا تحقيق ، وهو النضر بن الحارث ، وكرره ردعا للجاهل عن الجدال . [ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 9 إلى 10 ] ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ ( 9 ) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ( 10 ) قوله ( ثانِيَ عِطْفِهِ ) نصب على الحال من ضمير « يُجادِلُ » ، أي لاويا جانبه عن طاعة ربه بكبره معرضا على الإيمان به ( لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) بفتح الياء ، أي ليعرض عن دين الإسلام ، فاللام للعاقبة ، لأن جداله يؤدي إلى الضلال ، فجعل كأنه غرضه ، وقرئ بضم الياء « 1 » ، أي ليصرف الناس عن دين اللّه ( لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ ) أي عذابه ، فقتل النضر ببدر صبرا أو محبوسا بغير قتال ( وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ ) [ 9 ] وهو عذاب النار ، أي ما أصابه في الدنيا لم يكن كفارة لذنوبه ويقال له يوم القيامة ( ذلِكَ ) أي هذا العذاب ( بِما قَدَّمَتْ ) أي عملت ( يَداكَ ) أي نفسك بكفرك وتكذيبك محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ( وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) [ 10 ] أي لا يعذب أحدا بغير ذنب أبدا ، قيل : هذا من قولهم ظالم لعبده وظلام لعبيده ، فيلزم منه نفي كل ظلم عن اللّه تعالى لكل عبد من العبيد لدخول صيغة المبالغة الدالة على الأنواع المقابلة بصيغة الجمع الدالة على الاستغراق باللام تحت النفي العام « 2 » . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 11 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ ( 11 ) ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ) أي على وجه الرياء أو على شك ، حال من ضمير « يَعْبُدُ » ، أي متزلزلا ، قيل : نزل في أناس من بني أسد ، أصابتهم شدة فاحتملوا العيال وقدموا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأسلموا من غير اعتقاد صحة الإسلام فأغلوا الأسعار بالمدينة فرجعوا إلى كفرهم الأول « 3 » ( فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ ) أي صحة وسلامة في نفسه وماله أو سعة وغنيمة ( اطْمَأَنَّ بِهِ ) أي سكن إليه ، وقال : نعم الدين دين محمد عليه السّلام ( وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ ) أي محنة وضيق في المعيشة ( انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ ) أي جهته ، يعني رجع إلى كفره ، وقال : بئس بالدين دين محمد ، فقال تعالى ( خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ) أي غبنهما بذهاب ماله وبذهاب ثوابه ( ذلِكَ ) أي رجوعه عن الإسلام ( هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ ) [ 11 ] وهو ذهاب دينه وخلوده في النار . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 12 ] يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ( 12 ) ( يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ) أي يعبد من غيره ( ما لا يَضُرُّهُ ) « 4 » إن لم يعبده ( وَما لا يَنْفَعُهُ ) حقيقة إن عبده ( ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ) [ 12 ] عن الهداية لا يرجى زواله . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 13 ] يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ ( 13 ) ( يَدْعُوا ) تأكيد للأول بيانا لاستمرار كفره ولا يتعلق ب « لمن » بعد ، لأنه قسم ، تقدير الكلام : يدعو يدعو من دون اللّه الآية واللّه ( لَمَنْ ضَرُّهُ ) إن عبده ( أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ ) إن استنفعه بادعاء الشفاعة له ، ف « من » مبتدأ بمعنى الذي و « ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ » صلته ( لَبِئْسَ الْمَوْلى ) خبره وهو الناصر ( وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ ) [ 13 ] أي الصاحب المعاشر ، إذ لا ينفعه في الآخرة .
--> ( 1 ) « ليضل » : قرأ المكي والبصري ورويس بفتح الياء وغيرهم بضمها . البدور الزاهرة ، 213 . ( 2 ) ولم أجد له مرجعا في المصادر التي راجعتها . ( 3 ) نقله المؤلف عن السمرقندي ، 2 / 387 . ( 4 ) أي ، + ح .