أحمد بن محمود السيواسي
110
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 30 ] أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ ( 30 ) ( أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) بالواو بعد الألف الاستفهامية وبغير الواو « 1 » ، أي ألم يخبروا في الكتاب ( أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا ) أي جنساهما ( رَتْقاً ) أي شيئا مرتوقا فهو مصدر بمعنى المفعول أو ذات رتق بمعنى ملتزقتين منضمتين ( فَفَتَقْناهُما ) أي ففرقناهما « 2 » وأبنا إحديهما عن الأخرى بالهواء فجعلنا السماء سبعا والأرض سبعا وعلم الكفار ذلك بكتابهم وهو القرآن المعجز ، فوجب تصديقه ، وقيل : « رتقهما وفتقهما أن السماوات كانت لا تمطر فأمطرت ، وإن الأرض كانت لا تنبت فأنبتت » « 3 » ( وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) أي الماء النازل من السماء ، يعني جعلنا الماء سببا لحيوة كل شيء حي ، والنبات داخل فيه ، فدلهم بذلك على توحيده ولذا قال بعده ( أَ فَلا يُؤْمِنُونَ ) [ 30 ] أي أفلا يوحدون بعد رؤية هذه العجائب . [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 31 ] وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ( 31 ) ( وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ ) جمع راسية ، من رسا إذا ثبت ، أي جبالا ثوابت ( أَنْ تَمِيدَ ) أي لأن لا تميل ، فحذف « لا » لأمن اللبس ، وقيل : كراهة أن تميد « 4 » ( بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها ) أي في الأرض والرواسي ( فِجاجاً ) أي أودية واسعة ، والفج هو الشق بين الجبلين ( سُبُلًا ) أي طرقا ، بدل من « فِجاجاً » ، وهي في الأصل وصف ل « سبيلا » لقوله لتسلكوا منها سبلا فجاجا ، أي طرقا واسعة لكنه قدم هنا على السبل إيذانا بأنه تعالى خلقها على تلك الصفة ، فالسبل بيان لما أبهم ثمة ( لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ) [ 31 ] أي لكي يهتدوا إلى مصالحهم . [ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 32 إلى 33 ] وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ ( 32 ) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ( 33 ) ( وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً ) عن استراق السمع بالشهب أو عن الوقوع عليهم كقوله « وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ » « 5 » ( وَهُمْ ) أي الكفار ( عَنْ آياتِها ) أي آيات السماء من الشمس والقمر والنجوم ( مُعْرِضُونَ ) [ 32 ] أي عن الاستدلال بها بالنظر فيها على صانعها ، فيتركون الشرك ويوحدون اللّه الذي هو أهل التوحيد ، وأوضح ذلك بقوله ( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ) أي الظلمة والضوء والنيرات كلها ( كُلٌّ فِي فَلَكٍ ) أي في « 6 » جنس الفلك وهو السماء وكل مستدير فلك في كلام العرب ، و « كُلٌّ » مسبتدأ ، وخبره ( يَسْبَحُونَ ) [ 33 ] أي كل واحد منها في مجاريها يسيرون بسرعة أو « كُلٌّ فِي فَلَكٍ » مبتدأ وخبر ، و « يَسْبَحُونَ » الجملة في محل النصب على الحال من الشمس والقمر لا غير لاختصاص السباحة بهما . [ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 34 إلى 35 ] وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ ( 34 ) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ ( 35 ) قوله ( وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ) نزل حين قال المشركون : إن محمدا يموت فيشمتون بموته « 7 » ، فنفى اللّه عنه الشماتة بالموت ، فقال قضى اللّه أن لا يخلد في الدنيا بشر لا أنت ولا هم ، فإذا كان كذلك فان مت أنت أيبقي هؤلاء وهو معنى قوله ( أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ ) [ 34 ] أي أفهم الخالدون إن مت ، فأنكر الخلود لهم ، لأن كل البشر عرضة للموت ، وأوضح ذلك بقوله ( كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ ) أي
--> ( 1 ) « أَ وَلَمْ يَرَ » : قرأ المكي بحذف الواو والباقون باثباتها . البدور الزاهرة ، 210 . ( 2 ) أي ففرقناهما ، وي : أي فرقناهما ، ح . ( 3 ) ذكر عكرمة وعطية نحوه ، انظر البغوي ، 4 / 48 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 366 . ( 4 ) نقل المؤلف هذا المعنى عن السمرقندي ، 2 / 367 . ( 5 ) الحج ( 22 ) ، 65 . ( 6 ) في ، و : - ح ي . ( 7 ) اختصره المفسر من السمرقندي ، 2 / 367 ؛ والكشاف ، 4 / 60 .