أحمد بن محمود السيواسي

92

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

ابن عباس ثابتة لمجيئها « 1 » عن كثير من الصحابة ، فلا يجوز دفعها وإلا لرجع الطعن إلى أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويجب للطاعن أن يطعن في فهم نفسه لا في الصحابة « 2 » ، وقيل : هي التي تخرج وقتا بعد وقت إلى يوم القيامة « 3 » ( وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ ) وهذا من باب التمثيل ، لأنه تعالى نصب أدلة على وحدانيته ، وشهدت بها عقولهم التي جعلها فيهم مميزة بين الضلال والهدى ، فكأنه أشهدهم على أنفسهم باقرارهم وقال لهم ( أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) وكأنهم ( قالُوا بَلى ) أنت ربنا ( شَهِدْنا ) على أنفسنا باقرارنا على وحدانيتك ، وباب التمثيل واسع في كلام العرب وفي كلام اللّه ورسوله كثير لتصوير المعاني المبهمة ، وأورد « بَلى » دون « نعم » ليثبت إيمانهم بجوابهم ، ولو قالوا في الجواب « نعم » لكفروا ، ولأن « نعم » لتقرير ما سبق من النفي ، و « بَلى » إثبات لما بعد النفي كما قدرناه ، قوله ( أَنْ تَقُولُوا ) بالياء والتاء « 4 » في محل النصب مفعول له لفعل محذوف ، تقديره : فعلنا ذلك بهم من نصب الأدلة العقلية الشاهدة على صحة الشهادة والإقرار كراهة أن تقولوا ( يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا ) الإقرار ( غافِلِينَ ) [ 172 ] لم ننبه ، فلم يبق لهم حجة علينا . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 173 ] أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ( 173 ) قوله ( أَوْ تَقُولُوا ) عطف على « أَنْ تَقُولُوا » ، أي أو فعلنا ذلك بهم كراهة أن يقولوا ( إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ ) أي من قبلنا بنقض العهد ( وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ ) لم نشعر ذلك ، وإنما لزمهم الميثاق المأخوذ عليهم وهم في الأصلاب مع نسيانهم إياه لظهور الدلالة على الوحدانية فلم يبق لهم اعتذار بالنسيان وباشراك آبائهم وكونهم من بعدهم ، لأنه لا يمكنهم بعد هذا الإقرار أن يقولوا ذلك ولا أن يقولوا ( أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ) [ 173 ] أي آباؤنا المعرضون عن الحق بالباطل ، وهو الإشراك فلا عذر لهم حينئذ . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 174 ] وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 174 ) ( وَكَذلِكَ ) أي مثل ذلك البيان البليغ في أمر الميثاق ( نُفَصِّلُ الْآياتِ ) أي نبينها لهم ليتعظوا بها ( وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) [ 174 ] أي وليرجعوا إلى الحق من الباطل بالتوبة . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 175 ] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ ( 175 ) ثم أمر نبيه عليه السّلام بقوله ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ ) أي اقرأ على اليهود إن لم يتوبوا بذكر الميثاق ( نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا ) أي أخبر خبر من أعطيناه علم التورية ، وهو بلعم بن باعورا من علماء بني إسرائيل من الكنانيين ، قيل : « هو الذي دعا على موسى ، وكان مستجاب الدعوة ، فانقلب دعاؤه عليه واستطال لسانه على صدره » « 5 » ( فَانْسَلَخَ ) أي خرج ( مِنْها ) أي من الآيات بكفره كما يخرج الحية من جلدها ، يعني لم ينتفع بعلمه كالحية بجلدها ( فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ ) أي فصار الجن تابعا له وقرينه فغره ( فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ ) [ 175 ] أي فصار عالم الآيات من الضالين عن طريق الهدى ، قيل : هذه الآية أشد آية على العلماء الذين لا يعملون بما يعلمون « 6 » ، لأن علمهم يكون وبالا عليهم . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 176 ] وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 176 ) ثم قال تعالى في شأن ذلك العالم ( وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ) أي لعظمناه بالآيات وأثبتناه في منازل الأبرار من العلماء ، يعني لو لزم العمل بعلمه بالآيات بعد الإيمان ولم ينسلخ منها لرفعنا درجته في الدنيا والآخرة ( وَلكِنَّهُ

--> ( 1 ) لمجيئها ، ب م : بمجيئها ، س . ( 2 ) اختصره من السمرقندي ، 1 / 579 - 580 . ( 3 ) نقله عن السمرقندي ، 1 / 579 ، 580 . ( 4 ) « أن تقولوا » : قرأ أبو عمرو بياء الغيب ، والباقون بتاء الخطاب . البدور الزاهرة ، 126 . ( 5 ) أخذه عن الكشاف ، 2 / 147 . ( 6 ) ولم أجد له مأخذا في المصادر التي راجعتها .