أحمد بن محمود السيواسي
54
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
زين لآدم وحواء أكلها ( لِيُبْدِيَ ) أي ليظهر ( لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما ) أي ما ستر من عوراتهما ، فان عورتهما لم تكن لترى لهما من قبل هذا ، فلما أذنبا رئيت لهما ليخزيهما « 1 » ولذلك سميت سؤءة ، وفيه دلالة على أن كشف العورة قبيح في كل زمان ، ولما رأى اللعين نفسه طريدا من الرحمة ورأى آدم الذي حسده ساكنا في الجنة لم يصبر ، فاحتال لإخراجه مع زوجه حواء فأتاهما ( وَقالَ ) لهما ( ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ ) أي عن أكل ثمرها ( إِلَّا أَنْ تَكُونا ) أي إلا مخافة كونكما ( مَلَكَيْنِ ) أي كالملكين العالمين بالخير والشر في الجنة ( أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ ) [ 20 ] أي أو مخافة كونكما من الباقين في الجنة لا تموتان أبدا . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 21 ] وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ ( 21 ) ( وَقاسَمَهُما ) أي حلف لهما يمينا موثقة كذبا ، وهي مفاعلة من واحد أو كان منه القسم ومنهما التصديق فكأنها من اثنين ( إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ ) [ 21 ] بقسمي إن من أكل منها لم يمت ، فأول من حلف كاذبا هو إبليس عليه اللعنة . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 22 ] فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 22 ) ( فَدَلَّاهُما ) أي أسقطهما عن منزلتهما ( بِغُرُورٍ ) أي بخداع منه ، والغرور في الأصل إظهار النصح مع إبطان الغش ( فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ ) أي وجد طعمها آدم وحواء بعد الأخذ منها ليتعرفاها ( بَدَتْ ) أي ظهرت ( لَهُما سَوْآتُهُما ) أي ظهرت لكل واحد منهما عوراتهما وكانا لا يريان ذلك من أنفسهما ولا أحدهما من صاحبه ، قالت عائشة : « ما رأيت منه ولا رأى مني » « 2 » ، أي العورة من النبي عليه السّلام ، قيل : أخذهما العقوبة قبل ابتلاع اللقمة من الحلق وكان لباسهما نورا أو كلباس بني إسرائيل في التيه « 3 » ، وهو مثل الظفر فاستحييا فانطلق آدم هاربا فتعلقت به شجرة من شجر الجنة ، فناداه ربه أتفر مني يا آدم ؟ قال : رب إني أستحيي ( وَطَفِقا ) أي أخذا ( يَخْصِفانِ ) أي يلصقان ( عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ) أي من ورق تينها ، قيل : « وصلا ورقة بورقة حتى صار كالثوب فاستترا به » « 4 » ( وَناداهُما رَبُّهُما ) أي قال لهما عتابا وتوبيخا ( أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ ) أي عن أكل ثمرتها ( وَأَقُلْ ) أي ألم أقل ( لَكُما ) نصحا ( إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ ) [ 22 ] أي بين العداوة ، فيه دلالة على أن اللّه قد عرفهما قبل ذلك عداوة إبليس لهما وحذرهما من شره . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 23 ] قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 23 ) ( قالا ) أي أدم وحواء معتذرين عن خطيئتهما ( رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا ) بترك امتثال أمرك فاغفر لنا ذنوبنا ( وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا ) ذنوبنا ( وَتَرْحَمْنا ) بقبول عذرنا وتوبتنا ( لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ) [ 23 ] أي المغبونين بالعقوبة مكان المرحمة وقد تقدم أن اللّه قبل توبتهما حيث قال فتاب عليه فهدى « 5 » ، قيل : فيه دليل على أن المذنب إذا أصر على ذنبه يعذبه اللّه ، وإذا تاب يتجاوز عنه ولما لم يتب إبليس بل سأل النظرة جعل اللّه مثواه قعر جهنم « 6 » . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 24 ] قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ( 24 ) ثم ( قالَ ) تعالى ( اهْبِطُوا ) أي أنزلوا من الجنة يا آدم وحواء وإبليس ( بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) الجملة حال من فاعل « اهْبِطُوا » ، أي متعادين ، لأن إبليس يعاديهما وهما يعاديانه ( وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ) أي منزل قرار ( وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ) [ 24 ] أي ومعاش إلى وقت الموت . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 25 إلى 26 ] قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ ( 25 ) يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 26 )
--> ( 1 ) ليخزيهما ، س : ليحزنهما ، ب ، لنحزنهما ، م . ( 2 ) انظر الكشاف ، 2 / 103 . ( 3 ) اختصره المفسر من البغوي ، 2 / 460 . ( 4 ) عن الزجاج ، انظر البغوي ، 2 / 460 . ( 5 ) فهدى ، س : - ب م . ( 6 ) نقله المؤلف عن السمرقندي ، 1 / 535 .