أحمد بن محمود السيواسي

326

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 101 ] وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 101 ) ( وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ ) أي إذا نسخنا حكم آية فأنزلنا مكانه حكما آخر بانزال آية ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ ) أي والحال أنه أعلم بما هو أصلح لخلقه فيما يبدل من أحكامه على حسب اختلاف الأزمان بنسخ الشرائع بالشرائع لحكمة فيه ( قالُوا ) أي كفار قريش ( إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ ) أي مختلق يا محمد ، وذلك أنهم قالوا يسخر محمد أصحابه يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدا ، ما هو إلا مفتر يتقوله من تلقاء نفسه ، فأكذبهم اللّه تعالى بقوله ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) [ 101 ] حقيقة القرآن وعلم الناسخ والمنسوخ ، فان الشرائع مصالح للناس ، فجاز أن يكون مصلحة الأمس مفسدة اليوم وخلافها مصلحة له ، واللّه عالم بهما فيثبت ما يشاء وينسخ ما يشاء بحكمته المقتضية إياه . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 102 ] قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ( 102 ) ( قُلْ ) يا محمد ( نَزَّلَهُ ) أي القرآن ( رُوحُ الْقُدُسِ ) أي جبرائيل ( مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ) أي بالوحي أو بالصدق والنسخ أيضا من قبيل الحق وهو في محل النصب على الحال ، أي نزله ملتبسا بالحكمة ( لِيُثَبِّتَ ) أي ليحفظ قلوب ( الَّذِينَ آمَنُوا ) بالناسخ وعلموا صدقه عن الاضطراب ويزدادوا إيمانا ويقينا ( وَهُدىً ) من الضلالة ( وَبُشْرى ) بالجنة ( لِلْمُسْلِمِينَ ) [ 102 ] وهما في محل النصب مفعول لهما معطوفان على محل « لِيُثَبِّتَ » ، تقديره : تثبيتا لهم وهداية وبشارة ، وفيه تعريض لحصول أضدادها لغير المسلمين ، فاللّه تعالى حكيم لا يفعل شيئا إلا لحكمة . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 103 ] وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ( 103 ) ( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ ) كفار مكة ( يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ) أي ما يعلم محمدا القرآن إلا آدمي وهو جبر ويسار وكانا غلامين نصرانيين من أهل اليمن في مكة ، يصنعان السيوف فيها ويقرآن التورية والإنجيل ، فربما مر بهما النبي عليه السّلام وهما يقرآن فيقف ويستمع ، فقال المشركون إنما يتعلم محمد منهما ، فقال تعالى في جوابهم تكذيبا لهم بالاستئناف ( لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ ) بضم الياء وكسر الحاء معلوما من ألحد ومن لحد ، وبفتح الياء والحاء « 1 » ، أي لسان الرجل « 2 » الذي يميلون ألسنتهم بزعم أنه يعلمه ( إِلَيْهِ ) لسان ( أَعْجَمِيٌّ ) وهو الذي لا يفصح وإن كان عربيا ، والعجمي هو المنسوب إلى العجم وإن كان فصيحا ( وَهذا ) أي القرآن ( لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ) [ 103 ] أي مفصح ، واللسان اللغة هنا . روي : أن الرجل الذي كانوا يلحدون إليه أسلم وحسن إسلامه وهو يسار ، ثم أسلم جبر بعده وهاجر مع سيده « 3 » . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 104 ] إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 104 ) ثم قال اللّه تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ ) أي القرآن ( لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ ) في الدنيا ، أي لا يرشدهم لقلة رغبتهم في الإيمان ( وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) [ 104 ] في الآخرة .

--> ( 1 ) « يلحدون » : قرأ حمزة والكسائي وخلف بفتح الياء والحاء ، والباقون بضم الياء وكسر الحاء . البدور الزاهرة ، 182 . ( 2 ) لسان الرجل ، ب س : - م . ( 3 ) أخذه المفسر عن السمرقندي ، 2 / 251 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 452 .