أحمد بن محمود السيواسي

320

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

يذكره ، لأنه اكتفى بذكر أحدهما وهو الأبكم كسرابيل تقيكم الحر ولم يقل « 1 » البرد وهذا مثل للأصنام « 2 » ومن يعبدها فذكر رجلين تغليبا أو المراد المؤمن والكافر والأول أنسب ، لأن الصنم لا يسمع ولا يسمع ولا يعقل وهو كل على عابده يحتاج إلى أن يحمله ويضعه ويخدمه أو العبد ومولاه حقيقة كعبد عثمان ، فان عثمان يأمره بالتوحيد وهو يأتي بالكفر ويكره الإسلام ثم استفهم على سبيل الإنكار ( هَلْ يَسْتَوِي هُوَ ) أي الأبكم أو الكافر ( وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ) أي اللّه أو المؤمن ، يعني لا مساواة بين الأبكم والآمر بالخير ، وهو اللّه القادر المتكلم الآمر بالتوحيد أو المؤمن الذي يأمر به ويعمل العمل الصالح ( وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) [ 76 ] أي على دين الإسلام ، قال عطاء : « الأبكم أبي بن خلف المنكر بالبعث ، ومن يأمر بالعدل حمزة وعثمان » « 3 » . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 77 ] وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 77 ) ثم قال للكفار الذين استعجلوا القيامة استهزاء ( وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) أي وله علم ما غاب عن العباد فيهما ( وَما أَمْرُ السَّاعَةِ ) أي قيام الساعة ( إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ ) أي إلا كرجعة في قرب كونها إذا قال له « كن فيكون » ( أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ) أي بل هو أسرع ، المعنى : أن قيام الساعة والبعث في قدرة اللّه ومشيته أقرب من كل قريب ( إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [ 77 ] والبعث من مقدوراته فلا تنكروه . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 78 ] وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 78 ) ( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ ) بكسر الهمزة والميم وبضم الهمزة وفتح الميم ، وبكسر الهمزة مع فتح الميم « 4 » ، أي خلقكم والحال أنكم ( لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً ) من الأشياء أو من حقوق المنعم الذي خلقكم في البطون وسواكم وصوركم ، ثم أخرجكم من الضيق إلى السعة ( وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ ) جمع فؤاد ، جمع قلة ، استعمل في موضع جمع الكثرة وهو وسط القلب لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه ( لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) [ 78 ] أي لكي تشكروا رب هذه النعم . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 79 ] أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 79 ) ثم بين طريقا يؤدي إلى معرفة وحدانيته بقوله ( أَ لَمْ يَرَوْا ) بالتاء والياء « 5 » ( إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ ) أي مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة ( فِي جَوِّ السَّماءِ ) أي في الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلو ( ما يُمْسِكُهُنَّ ) نصب على الحال من « الطَّيْرِ » ، أي ما يأخذهن في الهواء عند قبض الأجنحة وبسطها ( إِلَّا اللَّهُ ) بقدرته ( إِنَّ فِي ذلِكَ ) أي في تسخيرهن وإمساكهن في الهواء ( لَآياتٍ ) لدلالات على وحدانيتي ( لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) [ 79 ] به تعالى بنظر الاستدلال ، قيل : « إن الطير ترتفع اثني عشر ميلا في جو السماء ولا ترتفع فوق هذا » « 6 » . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 80 ] وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ ( 80 ) ( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً ) أي مسكنا تسكنونه ، يعني وفقكم لبناء البيوت للسكنى والقرار

--> ( 1 ) ولم يقل ، س م : ولم نقل ، ب . ( 2 ) مثل للأصنام ، ب س : مثل الأصنام ، م . ( 3 ) انظر البغوي ، 3 / 441 . ( 4 ) « أمهاتكم » : قرأ حمزة بكسر الهمزة والميم والكسائي بكسر الهمزة وفتح الميم ، وهذا في حال وصل « بطون أمهاتكم » ، أما في حالة الابتداء ب « أمهاتكم » فيقرآن بضم الهمزة وفتح الميم ، والباقون بضم الهمزة وفتح الميم في الحالين . البدور الزاهرة ، 181 . ( 5 ) « ألم يروا » : قرأ حمزة ويعقوب وخلف والشامي بتاء الخطاب ، والباقون بياء الغيبة . البدور الزاهرة ، 181 . ( 6 ) عن كعب الأحبار ، انظر البغوي ، 3 / 442 .