أحمد بن محمود السيواسي
314
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 55 ] لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 55 ) قوله ( لِيَكْفُرُوا ) اللام فيه لام العاقبة ، أي حاصل أمرهم بعد كشفنا الضر عنهم هو كفرهم ( بِما آتَيْناهُمْ ) أي بما أعطيناهم من النعم وكشف الضر والبلاء ( فَتَمَتَّعُوا ) أي عيشوا بقية آجالكم في الدنيا وهو أمر تهديد لهم وتخلية في معنى الخذلان ( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) [ 55 ] ما يفعل بكم في الآخرة . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 56 ] وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ( 56 ) ثم قال استقباحا لفعلهم ( وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ ) أي للذي لا علم له من الأصنام أو لا يعلم الكفار منه ضرا ولا نفعا ( نَصِيباً ) أي حظا ( مِمَّا رَزَقْناهُمْ ) من الأموال ، يعني من الحرث والأنعام ، ثم قال إقساما بنفسه ( تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ ) يا كفار يوم القيامة ( عن ما كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ) [ 56 ] أي تكذبون على اللّه بقولكم اللّه أمرنا بهذا أو أنها آلهة تصلح للتقرب . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 57 ] وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ ( 57 ) ثم قال ( وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ ) أي يصفون أن الملائكة بناته ، قوله ( سُبْحانَهُ ) أي وهو منزه عن الولد ، اعتراض لإنكار ما قبله وهو المختار أو تعجيب « 1 » من قولهم بالابتداء به « 2 » ، قوله ( وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ ) [ 57 ] مبتدأ وخبر « 3 » أو معناه : ويجعلون لأنفسهم ما يحبون من الأولاد وهم البنون ، لأنهم يكرهون البنات ، و « ما » في محل النصب ، لأنه مفعول « يَجْعَلُونَ » . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 58 ] وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ( 58 ) ( وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ) عند ولادة امرأته ابنة له ( ظَلَّ ) أي صار ( وَجْهُهُ مُسْوَدًّا ) أي متغيرا إلى السواد من الغم والكراهية والخجل ( وَهُوَ كَظِيمٌ ) [ 58 ] أي مملو حزنا وغيظا على المرأة التي ولدتها ، والجملة حال من ضمير « وَجْهُهُ » . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 59 ] يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ( 59 ) ( يَتَوارى ) أي يختفي ( مِنَ الْقَوْمِ ) حياء ( مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ ) من البنت أو ما ظهر في وجهه من العار والحزن ويتفكر كيف أصنع بها ( أَ يُمْسِكُهُ ) أي أيحفظه ، والضمير يرجع إلى « ما بُشِّرَ » ( عَلى هُونٍ ) أي على هوان لا يميل إليها بالشفقة والمرحمة ( أَمْ يَدُسُّهُ ) أي يدفنه ويخفيه ( فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ) [ 59 ] أي بئس ما يقضون للّه البنات ولأنفسهم البنين أو بئس حكمهم وأد البنات خوف الفقر والعار . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 60 ] لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 60 ) ( لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ) أي لمنكري البعث بعد الموت ( مَثَلُ السَّوْءِ ) أي صفة الشر وهو كفرهم بوصف الولد له تعالى ووأد البنات وكراهيتها مع احتياجهم إليهن للتزوج والنسل ، قال ابن عباس : « مثل السوء النار » « 4 » ( وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى ) أي الصفة العليا ، وهي الغنا عن جميع الخلق والنزاهة عن صفاتهم والعلم والقدرة والبقاء وغيرها من صفات الجلال والكمال أو لأولياء اللّه المثل الأعلى بتقدير المضاف وهو التقوى والمعرفة ، وقال ابن عباس : « المثل الأعلى شهادة أن لا إله إلا اللّه » « 5 » ( وَهُوَ الْعَزِيزُ ) على أعدائه ( الْحَكِيمُ ) [ 60 ] فيما يأمر عباده وينهاهم .
--> ( 1 ) تعجيب ، ب س : تعجب ، م . ( 2 ) بالابتداء ، ب س : على الابتداء ، م . ( 3 ) مبتدأ وخبر ، م : - ب س . ( 4 ) انظر البغوي ، 3 / 433 . ( 5 ) انظر البغوي ، 3 / 433 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 239 .