أحمد بن محمود السيواسي

308

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 26 ] قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ( 26 ) ثم هددهم بصنع من تقدمهم « 1 » من الكفار فأهلكهم اللّه بسببه فقال ( قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) أي قد صنع كيد الذين « 2 » من قبل المقتسمين ، فأبطل اللّه كيدهم ، قيل : منهم نمرود بن كنعان حيث بنى قصرا عاليا في غاية الحصانة ببابل ليصعد إلى السماء ليقاتل على من في السماء بزعمه ، وكان طوله خمسة آلاف ذراع وعرضه ثلثلة آلاف ذراع وكان لسان الناس يومئذ بالسريانية ، فأهب اللّه تعالى الريح عليه ، فألقت رأسه في البحر ، وخر عليهم الباقي وهم تحته ، ولما سقط الصرح تبلبلت ألسن الناس من الفزع فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانا بحيث لم يفهم أحد منهم لسان آخر فتعطل قصره من الإعادة ، ولذلك سميت تلك البقعة ببابل « 3 » ، فذلك قوله تعالى ( فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ ) أي قصد أمره تخريب بنائهم ( مِنَ الْقَواعِدِ ) أي من أساطين البناء التي تعمده وتقويه أو من أصوله وأساسه ( فَخَرَّ ) أي سقط ( عَلَيْهِمُ السَّقْفُ ) أي أعلاه ( مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ) [ 26 ] بمجيئه ، وقيل : من مأمنهم « 4 » . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 27 إلى 29 ] ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ ( 27 ) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 28 ) فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ( 29 ) ( ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ) اللّه ، أي يهينهم بالعذاب ولم يكن ما أصابهم في الدنيا من العذاب كفارة لذنوبهم ( وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ ) بكسر النون ، أي تشاقونني ، وبفتح النون « 5 » ، لأنها نون الجمع ، أي تخاصمون ( فِيهِمْ ) أي شأنهم وتخالفون المؤمنين بسببهم وعبادتهم ما لهم لا يحضرونكم فيدفعوا عنكم العذاب ( قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) أي يقول الأنبياء أو العلماء الناصحون أو الملائكة شماتة ( إِنَّ الْخِزْيَ ) أي الهوان ( الْيَوْمَ وَالسُّوءَ ) أي العذاب الدائم ( عَلَى الْكافِرِينَ [ 27 ] الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ) بالتاء والياء « 6 » ، أي يقبض أرواحهم ( الْمَلائِكَةُ ) أي ملك الموت وأعوانه ( ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ ) بالكفر نصب على الحال ، أي في حال كفرهم ( فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ) أي استسلموا وانقادوا وجاؤوا بخلاف ما كانوا عليه في الدنيا من الشقاق والكبر والكفر جاحدين ما وجد منهم في الدنيا ، وقالوا ( ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ ) أي شركا وشقاقا وغيرهما ، فقال لهم الملائكة أو اللّه ( بَلى ) أشركتم باللّه أصنامكم ( إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) [ 28 ] من الشرك وغيره فيجازيكم عليه ، وهذا أيضا من الشماتة ، قيل : « هم قوم من المؤمنين باللسان خرجوا مع المشركين يوم بدر فلما رأوا قلة المؤمنين وكثرة الكافرين رجعوا إلى الشرك فقتلوا ثمة » « 7 » ، ويقول لهم الخزنة يوم القيامة ( فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ) [ 29 ] أي مستقرهم ومنزلهم جهنم لاستكبارهم عن الإيمان في الدنيا . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 30 ] وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ ( 30 ) ثم نقل من قصة الكافرين إلى قصة المؤمنين بقوله ( وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ) نزل في المؤمنين الذين يدعون الناس إلى الإيمان على عقاب مكة حين بعث النبي عليه السّلام رجالا من الصحابة لتكذيب المشركين الذين يصدون

--> ( 1 ) تقدمهم ، ب س : يقدمهم ، م . ( 2 ) كيد الذين ، م : كيدا الذين ، ب س . ( 3 ) اختصره من السمرقندي ، 2 / 233 ؛ والبغوي ، 3 / 424 . ( 4 ) أخذه عن البغوي ، 3 / 424 . ( 5 ) « تشاقون » : قرأ نافع بكسر النون ، والباقون بفتحها . البدور الزاهرة ، 178 . ( 6 ) « تتوفيهم » : قرأ حمزة وخلف بالياء التحتية ، والباقون بالتاء الفوقية . البدور الزاهرة ، 178 . ( 7 ) عن الكلبي ، انظر السمرقندي ، 2 / 233 .