أحمد بن محمود السيواسي
303
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
سبب حيوة القلب أو بالنبوة أو بالرحمة أو بجبرائيل ، فالباء بمعنى مع ( مِنْ أَمْرِهِ ) أي بأمره وإرادته ( عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ) من الأنبياء ، ومحل ( أَنْ أَنْذِرُوا ) جر بدل من « الروح » ، ف « أَنْ » مصدرية ، أي ينزلهم بأن أنذروا أو بأنه أنذروا ، فالضمير للشأن و « أَنْ » مخففة من الثقيلة ، ويجوز أن يكون مفسرة ، لأن تنزيل الملائكة بالوحي فيه معنى القول ، أي يقول اللّه لهم أعلموا الناس ( أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ ) [ 2 ] أي خافوني ولا تشركوا بي شيئا من نذرت بكذا إذا علمته ، ثم دل على واحدانيته بخلق ما يعجز عنه غيره فقال ( خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ) أي للحق وهو أن ينظر إليه ويعتبر فيوحد ولا يشرك به ( تَعالى ) أي ارتفع وتعاظم ( عن ما يُشْرِكُونَ ) [ 3 ] به من الأصنام وغيرها . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 4 إلى 5 ] خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ( 4 ) وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ ( 5 ) ( خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ ) أي من ماء الرجال الذي لا حس به ولا حركة دلالة على قدرته ( فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ ) أي جدل بالباطل ( مُبِينٌ ) [ 4 ] أي ظاهر الجدال وجاء بالفاء ، و « إذا » للمفاجأة إشارة إلى سرعة نسيانهم ابتداء خلقهم مع ظهور المذكر ، نزل في شأن أبي بن خلف الجحمى وكان ينكر البعث جاء بعظم رميم وجعل يفته بيده فقال يا محمد : أتقول إن اللّه يحيي هذا بعد ما رم ؟ والصحيح أن الآية عامة لبيان القدرة وكشف قبيح ما فعلوا من جحد نعم اللّه مع ظهورها عليهم « 1 » قوله ( وَالْأَنْعامَ ) نصب بمضمر يفسره ( خَلَقَها ) أي اللّه خلق الأنعام الإبل والبقر والغنم ( لَكُمْ ) أي ما خلقها إلا لكم ولمصالحكم يا جنس الإنسان ( فِيها دِفْءٌ ) وهو ما يستدفأ به ، أي يستمتع به من الحر والبرد كالأكسية والأردية والأخبية ( وَمَنافِعُ ) بالنسل ودر اللبن وركوب الظهر وحمل الأثقال ( وَمِنْها تَأْكُلُونَ ) [ 5 ] أي من لحومها بالذبح ، وقيد الأكل من الأنعام ، لأنه هو المعتمد وإن أكل غيره كالبط والدجاج فللتفكه والتداوي . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 6 ] وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ( 6 ) ( وَلَكُمْ فِيها ) أي في الأنعام ( جَمالٌ ) أي زينة وحسن المنظر ( حِينَ تُرِيحُونَ ) أي ترجعونها بالعشي من مراعيها إلى مراحها ( وَحِينَ تَسْرَحُونَ ) [ 6 ] أي تخرجونها بالغدوة إلى مسارحها وقدم الرواح ، لأن المنافع تؤخذ منها بعد الرواح ويكون مالكها أعجب بها إذا راحت « 2 » من مسارحها إلى مراحها ، لأنها أكثر لبنا وأحسن خلقا . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 7 ] وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 7 ) ( وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ ) أي أحمالهم وزادهم ( إِلى بَلَدٍ ) آخر ( لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ ) أي واصليه ( إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ ) أي بمشقتها ، والشق النصف أيضا ، فكأن الجهد ذهب بنصف القوة ، يعني لم تكونوا واصلين إليه إلا بنقصان قوة النفس وذهاب نصفها ( إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ ) بكم بخلق هذه الحوامل تيسيرا لمصالحكم ( رَحِيمٌ ) [ 7 ] بكم حيث لم يعجل بعقابكم بترك شكر نعمه . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 8 ] وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ( 8 ) ( وَالْخَيْلَ ) عطف على الأنعام ، أي وخلق الخيل وهي اسم جنس لا واحد له من لفظه كالإبل والنساء « 3 » ( وَ ) خلق ( الْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً ) نصبه مفعول له ، أي وللزينة عطفا على محل « لِتَرْكَبُوها » ، وإنما خولف بينهما في النظم ، لأن الركوب فعل المخلوق المخاطب والزينة فعل الخالق أو وجعلها زينة لكم مع المنافع التي فيها واحتج بهذه الآية من حرم لحوم الخيل ، وهو أبو حنيفة ومالك رضي اللّه عنهما ، لأنه علل هذه الأصناف
--> ( 1 ) نقله عن البغوي ، 3 / 418 ؛ وانظر أيضا الواحدي ، 234 . ( 2 ) راحت ، ب س : رحبت ، م . ( 3 ) والنساء ، س م : والإنسان ، ب .