أحمد بن محمود السيواسي

284

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

وهو معنى قوله ( لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ) أي لا يرجع بصر الكفار إلى أنفسهم من شدة النظر ، فهي خاشعة قد شغلهم ما بين أيديهم ( وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ ) [ 43 ] أي وقلوبهم خالية من كل خير كالهواء ما بين السماء والأرض ، ولذلك سمي ما بينهما هواء لخلوه ، وقيل : لا تعي شيئا ولا تعقل من الخوف « 1 » ، وقيل : « أفئدتهم مترددة في أجوافهم ليس لها مكان تستقر منه فيه » « 2 » . [ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 44 ] وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ ( 44 ) ثم قال تعالى للنبي عليه السّلام ( وَأَنْذِرِ النَّاسَ ) أي خوفهم ( يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ ) نصب « 3 » بأنه مفعول ثان ل « أَنْذِرِ » لا ظرف له ، وهو يوم القيامة ( فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا ) أي أشركوا وتجاوزوا الحد في ذلك اليوم ( رَبَّنا أَخِّرْنا ) أي أمهلنا ( إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ) لنرجع إلى الدنيا ( نُجِبْ دَعْوَتَكَ ) إلى الإسلام والعمل الصالح ( وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ) فيما جاؤنا به فعند ذلك يجابون توبيخا على إنكارهم البعث الاستفهام بأن يقال لهم ( أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ ) أي حلفتم ( مِنْ قَبْلُ ) أي في دار الدنيا قبل هذا اليوم ( ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ ) [ 44 ] عن الدنيا إلى الآخرة لعدم إيمانكم بها وهو قوله « وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ » « 4 » . [ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 45 ] وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ ( 45 ) ( وَسَكَنْتُمْ ) أي قررتم في الدنيا واطمأننتم بطيبة النفوس ( فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) بالشرك والفساد كقوم نوح وعاد وثمود ( وَتَبَيَّنَ لَكُمْ ) بالمشاهدة والإخبار ( كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ ) أي عرفتم « 5 » عقوبتنا إياهم ( وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ ) [ 45 ] أي بينا مثلكم كمثلهم ، يعني وصفنا لكم ما فعلوا وما فعل بهم كفعلكم وما ينزل بكم من العقوبة كعقوبتهم ، وذلك في الغرابة كالمثل السائر بين الناس . [ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 46 ] وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ ( 46 ) ( وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ ) أي صنعوا صنيعهم العظيم وهو تكذيب الرسل قبلكم ( وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ ) أي جزاء صنيعهم العظيم عنده محقق لا يخفى علمه عنه ، فيأتيهم به من حيث لا يشعرون ( وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ ) بكسر اللام الأولى وهي لام كي ، وفتح الثانية ف « إِنْ » مخففة ، أي إنه كان مكرهم أو هي نافية ، ومعناه ما كان مكرهم لتزول ( مِنْهُ الْجِبالُ ) [ 46 ] أي أمر محمد الذي هو ثابت كثبوت الجبال وبفتح الأولى ورفع الثانية ف « إِنْ » مخففة من الثقيلة واللام للتأكيد « 6 » ، ومعناه أنه كان مكرهم وإن عظم حتى بلغ بمحل يزيل الجبال لم يقدروا على إزالة أمر محمد عليه السّلام ، فالمراد بيان تعظيم مكرهم وتغليب أمر محمد عليه السّلام على مكرهم بمحوه وقهرهم بنصر اللّه إياه عليهم . [ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 47 ] فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ ( 47 ) قوله ( فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ) فيه تقديم وتأخير ، وهو أن المفعول الثاني قدم على الأول للإعلام بأنه لا يخلف وعده أبدا في نزول العذاب بكفار مكة سواء عجلوا به أو لم يعجلوا ، يعني ليس من شأنه إخلاف الوعد ، فكيف يخلفه رسله الذين هم خيرته وهو قوله « إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا » « 7 » ، تقديره : مخلف رسله وعده ، وإضافة « مُخْلِفَ » إلى ال « وعيد » من قبيل الاتساع ( إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ) على أعدائه ( ذُو انتِقامٍ ) [ 47 ] لأوليائه .

--> ( 1 ) أخذه عن البغوي ، 3 / 387 . ( 2 ) عن سعيد بن جبير ، انظر البغوي ، 3 / 387 . ( 3 ) نصب ، ب : أي به نصب ، س م . ( 4 ) النحل ( 16 ) ، 38 . ( 5 ) عرفتم ، ب س : عرفتهم ، م ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 388 . ( 6 ) « لتزول » : قرأ الكسائي بفتح اللام الأولى ورفع الثانية ، والباقون بكسر الأولى ونصب الثانية . البدور الزاهرة ، 174 . ( 7 ) غافر ( 40 ) ، 51 .