أحمد بن محمود السيواسي

257

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

فِيها رَواسِيَ ) جمع راسية من رسا الشيء إذا ثبت ، أي وخلق فيها جبالا ثوابت لإرساء الأرض بها ، لأن الأرض كانت تتكفأ بأهلها كما تتكفأ السفينة بمن فيها ، قال ابن عباس رضي اللّه عنه : « أول جبل وضع على وجه الأرض جبل أبي قبيس » « 1 » ( وَأَنْهاراً ) أي وخلق فيها مياها جارية لمعاشكم ( وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها ) أي وخلق فيها حين بسطها من أجناس الفواكه ( زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ) أي زوجين زوجين من جميع الأنواع ، ثم زادت وتكثرت أو جعل من كل نوع منها حلوا وحامضا أو المراد السواد والبياض أو الصغير والكبير ( يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ) بالتخفيف والتشديد « 2 » ، أي يلبس النهار بظلمة الليل ويلبس الليل بضوء النهار ، وهذا من قبيل الاكتفاء لدلالة الكلام على أحدهما ( إِنَّ فِي ذلِكَ ) أي فيما ذكر كله من صنعه تعالى ( لَآياتٍ ) أي لبراهين ( لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) [ 3 ] فيستدلون بها على التوحيد والتفكر تصرف القلب في معاني الأشياء لدرك المطلوب . [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 4 ] وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 4 ) ( وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ) أي بقاع مختلفة متقاربات ، يعني يقرب بعضها من بعض وهي مختلفة كالقطعة الطيبة تنبت في جنبها قطعة سبخة لا تنبت وكقليلة الريع في جنبها كثيرة الريع ( وَجَنَّاتٌ ) بالرفع عطف على « قِطَعٌ » ، أي وفي الأرض بساتين كثيرة ( مِنْ أَعْنابٍ ) متنوعة ( وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ ) برفع كلها عطف على « جَنَّاتٌ » ، وبجرها « 3 » عطف على ال « أَعْنابٍ » ، ف « صِنْوانٌ » صفة ل « نَخِيلٌ » ، جمع صنو ، وهي النخلات يجمعها أصل واحد ، وغير صنوان هي النخلة المنفردة بأصلها ، نظيرها قنوان جمع قنو ولا فرق بين التثنية والجمع فيهما « 4 » إلا في الإعراب ، لأن النون في التثنية مكسورة بعد الألف بلا تنوين ، وفي الجمع منونة مطلقا ( يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ) بالياء ، أي يسقي ما ذكر كله بماء واحد ، والتاء « 5 » ، أي تسقي الجنات بما فيها ، وهو الأوجه لقوله ( وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ) أي في الريع حيث لم يقل بعضه ، وقيل : « الْأُكُلِ » بضم الكاف وسكونها الرزق وكل ما يؤكل « 6 » ، و « الأكلة » بضم الهمزة اللقمة ، وبالكسر الحالة التي يؤكل عليها ، وبالفتح المرة ، المعنى : أن الماء واحد والتراب واحد والثمار مختلفة في طعمها ولونها وريحها وشكلها ، فدل ذلك على وحدانية اللّه تعالى على من ضل عنها وأشرك ، لأنه لو كان الخلقة بالماء والتراب لكان في اقتضاء العقل عدم التفاوت في اللون والطعم والريح والشكل ، وعدم التفاضل في الجنس الواحد إذا نبت في جنة واحدة ويسقي بماء واحد ، لكنه يختلف ويتفاضل بصنع الإله اللطيف الخبير ( إِنَّ فِي ذلِكَ ) أي في الذي ذكر ( لَآياتٍ ) أي لدلالات وعبرات ( لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) [ 4 ] أن ذلك كله من اللّه ، فيؤمنون ، قيل : « هذا مثل بني آدم ، أصلهم من أب واحد منهم صالح عاقل ومنهم خبيث غافل » « 7 » ، وقيل : « مثل لقلوبهم الطيبة والسخبة » « 8 » ، كلاهما من قلب آدم عليه السّلام فينزل من السماء تذكرة فترق قلوب فتخشع وتقسر قلوب فتلهو ، قال الحسن البصري : « واللّه ما جالس القرآن أحد إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان » « 9 » . [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 5 ] وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 5 )

--> ( 1 ) انظر البغوي ، 3 / 336 - 337 . ( 2 ) « يغشي » : قرأ شعبة ويعقوب والأخوان وخلف بفتح الغين وتشديد الشين ، والباقون باسكان الغين وتخفيف الشين . البدور الزاهرة ، 168 . ( 3 ) « وزرع ونخيل صنوان وغير » : قرأ المكي وحفص والبصريان برفع عين « وزرع » ولام « ونخيل » ونون « صنوان » وراء « غير » ، والباقون بخفض الأربعة ، ولا خلاف في خفض « صنوان » الثاني لإضافة « غير » إليه . البدور الزاهرة ، 168 . ( 4 ) فيهما ، ب س : - م . ( 5 ) « يسقي » : قرأ الشامي وعاصم ويعقوب بالياء التحتية على التذكير ، والباقون بالتاء الفوقية علي التأنيث . البدور الزاهرة ، 168 . ( 6 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها . ( 7 ) عن مجاهد ، انظر السمرقندي ، 2 / 183 ؛ والبغوي ، 3 / 337 . ( 8 ) ذكر الحسن نحوه ، انظر البغوي ، 3 / 337 . ( 9 ) انظر البغوي ، 3 / 338 .