أحمد بن محمود السيواسي
248
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 84 ] وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ( 84 ) ( وَتَوَلَّى ) أي أعرض ( عَنْهُمْ ) أي عن بنيه كراهة خبرهم ( وَقالَ يا أَسَفى ) أي يا حزنا ( عَلى يُوسُفَ ) والأسف أشد الحزن والحسرة ، والألف بدل من ياء الإضافة لتطويل الصوت بالتأسف ، وإنما تأسف على يوسف دون غيره من أخيه ، والثالث لأن كل نائبة حلت به بعد يوسف كانت دون نائبة نفسه ( وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ ) أي من البكاء الذي سببه الحزن ، لأن البكاء يمحق سواد العين ويقلبه إلى البياض ، قيل : قد عمي بصره « 1 » ، وقيل : كان يبصر يسيرا « 2 » ( فَهُوَ كَظِيمٌ ) [ 84 ] أي مكظوم ، من الكظم وهو شد السقاء على مليه ، والمراد أنه المملوء من الحزن الممسك عليه ، يعني كان يعقوب مملوء من الغيظ على أولاده ، ومع ذلك لا يظهر لهم ما يسوءهم ، قال قتادة : « يردد حزنه في جوفه ولم يقل إلا خيرا » « 3 » . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 85 ] قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ ( 85 ) ( قالُوا ) أي بنوه ( تَاللَّهِ تَفْتَؤُا ) أي لا تزال ، والأصل « لا تفتأ » ، حذفت منه « لا » مع إرادة النفي ، إذ لا يلتبس بالإثبات « 4 » ، لأنه لو كان إثباتا للزم اللام أو النون أو كلاهما للقسم ، يعني لا تفتأ « 5 » ( تَذْكُرُ يُوسُفَ ) وهو منصوب المحل على أنه خبر « لا تفتأ » لكونه من الأفعال الناقصة ، المعنى : أنك لا تزال تذكره من شدة حبه ( حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً ) أي قريبا من الموت أو فاسد العقل والجسم ذائبا من الهم والحزن ، والحرض مصدر وضع موضع الاسم ، يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ( أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ ) [ 85 ] أي الميتين . قيل : مكث يعقوب ثمانين سنة لم تجف دموعه من فراق يوسف ولم يخل الحزن عن قلبه يوما ، وما ساء ظنه باللّه ساعة « 6 » ، وإنما جازت لنبي اللّه تلك المبالغة في الجزع ، لأن الإنسان مجبول على أن لا يملك نفسه عند شدة الحزن لا بالقصد والاختيار . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 86 ] قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 86 ) ( قالَ ) يعقوب عند ذلك لما رأى غلظتهم ( إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي ) أي همي الذي لا يصبر عنه فيفشي إلى أحد ( وَحُزْنِي ) أي همي اليسير ( إِلَى اللَّهِ ) لا إلى غيره ، يعني لا أشكوهما إليكم ( وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) [ 86 ] وهو أن يوسف حي وليس بميت . قيل : إنما علم ذلك من تحقيق رؤيا يوسف « 7 » ، وقيل : سأل ملك الموت في المنام هل قبضت روح قرة عيني يوسف ؟ قال : لا أنه في الدنيا حي فسكن قلب يعقوب ، فطمع في رؤيته « 8 » . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 87 ] يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ( 87 ) ثم قال يعقوب لهم ( يا بَنِيَّ اذْهَبُوا ) إلى مصر ( فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ ) من التحسس وهو طلب الشيء بالحاسة والتجسس بالجيم في معناه ، قيل : إنه بالحاء يستعمل في الخير وبالجيم في الشر « 9 » ، أي اطلبوا الخبر منه ( وَ ) من ( أَخِيهِ ) بنيامين ، قالوا : أما بنيامين فلا نترك الجهد في شأنه ، وأما يوسف فإنه ميت ونحن لا نطلب الأموات ، فقال لهم يعقوب ( وَلا تَيْأَسُوا ) أي لا تقنطوا ( مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ) أي من رحمته ( إِنَّهُ لا يَيْأَسُ ) أي لا يقنط ( مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ) [ 87 ] بنعمته . قيل : إن سبب ابتلاء يعقوب بفراق يوسف أنه ذبح عجلا بين يدي أمه وهي تخور من ذبحه « 10 » ، وقيل :
--> ( 1 ) نقله المصنف عن الكشاف ، 3 / 90 . ( 2 ) أخذه عن الكشاف ، 3 / 90 . ( 3 ) انظر البغوي ، 3 / 315 . ( 4 ) إذ لا يلتبس بالإثبات ، ب س : - م . ( 5 ) يعني لا تفتأ ، ب س : - م . ( 6 ) لعل المفسر اختصره من البغوي ، 3 / 315 . ( 7 ) نقل المؤلف هذا الرأي عن السمرقندي ، 2 / 174 . ( 8 ) أخذه المصنف عن السمرقندي ، 2 / 174 . ( 9 ) وهذا القول منقول عن البغوي ، 3 / 319 . ( 10 ) نقله عن البغوي ، 3 / 317 .