أحمد بن محمود السيواسي

243

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

قيل : أراد أن يحلفوا له باللّه عز وجل « 1 » ( لَتَأْتُنَّنِي بِهِ ) جواب القسم ، أي لن أرسله معكم حتى تحلفوا باللّه أنكم تردونه إلي ( إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ ) استثناء منقطع ، أي لكنكم تهلكون جميعا بسبب أو لكنكم تغلبون فلا تطيقون الاتيان به أو متصل ، أي تأتوني به في كل حال إلا في حال الإحاطة بكم بأن ينزل بكم أمر من السماء أو من الأرض فيعذركم أو مفعول له ، والكلام المثبت في تأويله النفي ، أي لا يمتنعون من الاتيان به إلا للإحاطة بكم فضاق عليهم الأمر ، فحلفوا كما أراد أبوهم ( فَلَمَّا آتَوْهُ ) أي أعطوه ( مَوْثِقَهُمْ ) أي عهدهم المؤكد ( قالَ ) يعقوب ( اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ ) [ 66 ] أي شاهد وحافظ . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 67 ] وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ( 67 ) ( وَقالَ ) لهم وقت الخروج من عنده ( يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ) إذا دخلتم مصر ، وقيل : من سكك مختلفة « 2 » ، قاله لئلا يصابوا بالعين ، وليس ذلك كالطيرة المنهية لأن النبي عليه السّلام كان يرقي من العين « 3 » ، لأن العين حق لما أنهم أعطوا جمالا وقوة وامتداد قامة « 4 » ، وقيل : يجوز أن يحدث اللّه عز وجل عند النظر إلى الشيء والإعجاب به نقصانا فيه ، ويكون ذلك ابتلاء من اللّه لعباده وليتميز المحقون بقولهم هذا من فعل اللّه عمن قال هذا أثر العين « 5 » ، وهو قول المعتزلة ، وبطلانه ظاهر لصحة الحديث في تأثير العين « 6 » ، وقيل : إنما قاله يعقوب لئلا يظن أهل مصر أنهم جواسيس « 7 » ، ولم يوصهم في الكرة الأولى بالتفرقة ، لأنهم كانوا مجهولين بين الناس ، ثم اشتهرهم أهل مصر بالقربة « 8 » عند الملك والتكرمة الخاصة ، ثم قال ( وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ ) أي لا أنفعكم من قضائه إن أراد بكم سوء ( مِنْ شَيْءٍ ) سواء كنتم مجتمعين أو متفرقين ، لأن المقدر « 9 » كائن ( إِنِ الْحُكْمُ ) أي ما القضاء ( إِلَّا لِلَّهِ ) إن شاء أصابكم العين وإن شاء لم يصبكم ، وهذا تفويض يعقوب أمورهم إلى اللّه مع التأكيد بقوله ( عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ) أي اعتمدت في كل حال لي ( وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) [ 67 ] أي الواثقون باللّه . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 68 ] وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 68 ) ( وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ) أي من السكك أو الأبواب المتفرقة ، وكانت أربعة ، وجواب « لَمَّا » محذوف وهو امتثلوا أمره أو الجواب ( ما كانَ ) يعقوب برأيه ( يُغْنِي ) أي يدفع ( عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ) يعني أصابهم ما شاءهم مع تفرقهم من إضافة السرقة إليهم وافتضاحهم بها وأخذ أخيهم بوجدان الصاع في رحله ، فلم ينفعهم رأيه وهو تصديق اللّه يعقوب فيما قال ( إِلَّا حاجَةً ) استثناء منقطع على معنى « لكِنَّ » حاجة ومرادا ( فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها ) أي أظهرها لهم وتكلم « 10 » بها وهي شفقته عليهم إشفاق الآباء على الأبناء ( وَإِنَّهُ ) أي يعقوب ( لَذُو عِلْمٍ ) أي كان يعمل ويقول عن علم لا عن جهل ( لِما عَلَّمْناهُ ) أي لتعليمنا إياه أنه لا يصيبهم إلا ما أراد اللّه وقدره ، وعلم أيضا أن دخولهم من أبواب متفرقة لا ينفعهم من قضاء اللّه من شيء ( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) [ 68 ] ما يعلم يعقوب ، لأنهم لم يسلكوا طريق إصابة العلم ، قال ابن عباس رضي اللّه عنه : « لا يعلم المشركون ما ألهم اللّه أولياءه » « 11 » .

--> ( 1 ) نقله عن الكشاف ، 3 / 85 . ( 2 ) أخذ هذا المعنى عن السمرقندي ، 2 / 169 . ( 3 ) وهذا منقول عن السمرقندي ، 2 / 169 . ( 4 ) نقله عن البغوي ، 3 / 303 . ( 5 ) أخذه المفسر عن الكشاف ، 3 / 86 . ( 6 ) وهذا الحديث : « العين حق » . رواه البخاري ، الطب ، 36 ، واللباس ، 86 ؛ ومسلم ، السّلام ، 41 ، 42 . ( 7 ) هذا الرأي مأخوذ عن السمرقندي ، 2 / 169 . ( 8 ) بالقربة ، ب م : بالقربية ، س . ( 9 ) المقدر ، م : المقدور ، ب س . ( 10 ) وتكلم ، ب س : ويكلم ، م . ( 11 ) انظر البغوي ، 3 / 304 .