أحمد بن محمود السيواسي

230

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

مصدر مضاف ، فعله محذوف وجوبا ( إِنَّهُ ) أي الشأن ( رَبِّي ) أي زوجك الذي رباني ( أَحْسَنَ مَثْوايَ ) حين أوصاك باكرامي فليس لي أن أخون امرأته بعد حسن ظنه بي وأمره بالإحسان إلي ، وفيه دليل على وجوب معرفة إحسان المحسن وشكره ، وقيل : أراد بقوله « رَبِّي » اللّه تعالى « 1 » ، أي أحسن إلي بما أعطاني ومن بلاء الجب عافاني ( إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) [ 23 ] أي المجاوزون الحسن إلى القبيح أو الظالمون الزناة . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 24 ] وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ ( 24 ) ( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ) أي قاربت بمجامعة يوسف زليخا برضاها ( وَهَمَّ بِها ) أي قارب يوسف بمجامعتها على اقتضاء الطبع البشرى لا مع العزم منه ، والهم في الأصل عقد القلب على فعل شيء قبل أن يفعل من خير أو شر ، وهو القصد ، فهمها عزمها على المعصية من غير شروع فيها ، وهمه حل الهميان وجلوسه منها مجلس الخائن بكراهتها ، والفرق بينهما أن همها هم ثابت لكونه مع العزم وعقد القلب والرضا ، فالعبد مأخوذ به ، وهمه هم عارض معبر الخطرة وحديث النفس من غير اختيار ولا عزم ، فأن العبد غير مأخوذ به ما لم يتكلم أو يعمل ، وقيل : هم زليخا كبيرة ، لأنه حقيقة منها ، وهم يوسف بقدر حاله صغيرة ، والصغائر تجوز على الأنبياء « 2 » ، وقيل : ما هم يوسف بها لقوله تعالى عقيبه لتدارك عبده ونبيه « 3 » ( لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ) قيل : هذا الكلام يشعر بأن يكون « وهم به » جواب « لَوْ لا » متقدما عليه ، وقد أنكر النحاة ذلك ، إذ العرب لا تقول لقد قمت لولا زيد بمعنى لولا زيد لقمت ، لأن الشرط والجزاء بمنزلة كلمة واحدة ، ولا يجوز تقديم بعض الكلمة على بعض ، ويجوز حذف بعضها إذا دل عليه دليل ، فيكون جواب « لَوْ لا » محذوفا بدلالة ما قبله وهو « هَمَّ بِها » ، ولا جائز أن يكون كلا الهمين قرينة لجواب « لَوْ لا » ، لأن التفصيل بينهما بالعطف يدل على طلب كل منهما التوصل إلى ما هو حظه من قضاء الشهوة ، ثم ذكر « لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ » قصدا إلى الدلالة على أنه ترك التوصل إلى حظه لئلا يلزم إغفال يوسف مع كونه نبيا ، وأما زليخا فلم تترك التوصل إلى حظها ليدل ذلك بذكر « لَوْ لا أَنْ رَأى » إلى آخره « 4 » ، فتقدير الآية : ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه لفعل ما طلبت منه ، لأنه تعالى تدارك عبده النبي بالبرهان وهو أنه رأى صورة يعقوب وهو يقول له : يا يوسف تعمل عمل السفهاء ، وأنت مكتوب في الأنبياء ، وقيل : « انفرج سقف البيت فرأى يعقوب عاضا على أصبعه » « 5 » ، وقيل : « ضرب في صدره فخرجت شهوته من أنامله » « 6 » ، وقيل : « حل يوسف سراويله وقعد منها مقعد الرجل من امرأته إذا بكف قد ظهرت بينهما بلا معصم ولا عضد مكتوب فيه « وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ . كِراماً كاتِبِينَ . يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ » « 7 » ، فقام هاربا وقامت ، فلما ذهب عنهما الروع عادت وعاد فظهر ذلك الكف مكتوبا عليه وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا « 8 » ، فقام هاربا وقامت ، فلما ذهب عنهما الرعب عادت وعاد فرأى ذلك الكف مكتوبا عليه « وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ » « 9 » ، فقام هاربا وقامت ثم عادا ، فقال اللّه تعالى لجبريل أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة ، فانحط جبريل فمسحه بجناحه وخرجت شهوته من أنامله » « 10 » ، فلذا قيل : ولد له أحد عشر ولدا ، ولكل ولد من يعقوب اثنا عشر ولدا من أجل نقصان شهوته ، وقال تعمل

--> ( 1 ) لعله اختصره من البغوي ، 3 / 270 . ( 2 ) لعله اختصره من البغوي ، 3 / 271 - 272 . ( 3 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها . ( 4 ) لعل المفسر اختصره من البغوي ، 3 / 271 ؛ والكشاف ، 3 / 70 . ( 5 ) عن الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة والضحاك ، انظر البغوي ، 3 / 272 . ( 6 ) عن ابن عباس ، انظر السمرقندي ، 2 / 157 ؛ والبغوي ، 3 / 272 . ( 7 ) الانفطار ( 82 ) ، 10 - 12 . ( 8 ) الإسراء ( 17 ) ، 32 . ( 9 ) البقرة ( 2 ) ، 281 . ( 10 ) عن ابن عباس ، انظر البغوي ، 3 / 273 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 3 / 70 ، 71 .