أحمد بن محمود السيواسي
227
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
وكان يهوذا يأتيه الطعام « 1 » ، وجواب « لما » محذوف ، أي جعلوه في البئر بقرينة جملة « 2 » « وَأَجْمَعُوا » ، وعطف عليه قوله ( وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ ) أي إلى يوسف في الصغر كما أوحي إلى يحيى وعيسى في صغرهما ( لَتُنَبِّئَنَّهُمْ ) أي لتخبرنهم يا يوسف فيما يستقبل ( بِأَمْرِهِمْ هذا ) أي بصنيعهم السوء الذي فعلوه بك بمصر ملكا وتجازيهم عليه ( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) [ 15 ] أنك يوسف لعلو منزلتك وبعد عهدهم عنك إذا طلبوا منك الطعام من الجوع والقحط ، قيل : بعث اللّه إليه جبريل يؤنسه ويبشره بالخروج وغيره ويخبره بما أوحى إليه ربه في البئر « 3 » ، وقال له : إذا هبت « 4 » شيئا فقل يا صريخ المستصرخين ويا غياث المستغيثين ويا مفرج كرب المكروبين قد ترى مكاني وتعلم حالي ولا يخفى عليك شيء من أمري ، فلما قالها حفته الملائكة فآنس بهم ، وقيل : خرج من ساعته « 5 » ، قال ابن عباس رضي اللّه عنه : « ثم أنهم ذبحوا سخلة وجعلوا دمها على قميص يوسف » « 6 » ، ولم يشقوه . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 16 إلى 18 ] وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ ( 16 ) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ ( 17 ) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ( 18 ) ( وَجاؤُ ) أي إخوة يوسف وهم ظلمة ( أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ ) [ 16 ] أي وقت المساء في ظلمة العشاء يصيحون كذبا بالكاء ليكون أحرى « 7 » على الاعتذار بالكذب ، روى : أن يعقوب لما سمع صياحهم وعويلهم خرج فقال : يا بني ما لكم هل أصابكم في غنمكم شيء ؟ قالوا : لا ، قال : فما أصابكم وأين يوسف ؟ ( قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ ) أي نترامي وننتضل ( وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا ) أي أقمشتنا وثيابنا ( فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ) كما قلت « 8 » ( وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ ) أي بمصدق ( لَنا وَلَوْ كُنَّا ) أي وإن كنا ( صادِقِينَ ) [ 17 ] عندك أن الذئب قد أكله لشدة حبك إياه ، فكيف وأنت تتهمنا به في هذا الأمر ، لأنك خفتنا في الابتداء أو لأنه لا دليل على صدقنا وإن كانا صادقين عند اللّه ، و « عَلى » بمعنى فوق في قوله ( وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ) فيكون محل « عَلى قَمِيصِهِ » نصبا على الظرف ، ولا يجوز أن يكون حالا من « الدم » « 9 » ، لأن حال المجرور لا يتقدم عليه ، أي جاؤوا فوق قميصه بدم ذي كذب ، يعني بدم أثر في قميصه ظاهرا أو وصف بالمصدر مبالغة كأنه نفس الكذب وعينه ، لأنه دم السخلة لا دم يوسف ، فأخذه يعقوب وجعله على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بالدم ( قالَ ) ما كان هذا الذئب إلا حليما ، إذ لم يشق ثوبه ، كذبتم في قولكم ( بَلْ سَوَّلَتْ ) أي زينت ( لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً ) فضيعتم يوسف به ( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ) أي فأمري أو فعلي صبر جميل ، وهو ما لا شكوى فيه إلى مخلوق ( وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ ) أي الذي اطلب منه العون على الصبر ( عَلى ما تَصِفُونَ ) [ 18 ] أي تقولون بالكذب من شأن يوسف . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 19 ] وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 19 ) ( وَجاءَتْ ) بعد ثلاثة أيام ( سَيَّارَةٌ ) أي قافلة يسيرون من مصر إلى مدين أو بالعكس ، فأخطؤا الطريق فنزلوا بقرب من البئر التي فيها يوسف وكانت بعيدة من العمران ، قيل : « كان ماؤها مالحا فعذب حين ألقي فيه
--> ( 1 ) اختصره المصنف من البغوي ، 3 / 263 ؛ والكشاف ، 3 / 66 . راجع في هذا الموضوع إلى تفسير قوله « رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ » ، رقم الآية ( 101 ) من سورة يوسف . ( 2 ) بقرينة جملة ، س م : بقرينة جملة ، ب . ( 3 ) اختصره من البغوي ، 3 / 263 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 153 ، 154 ؛ والكشاف ، 3 / 66 . ( 4 ) إذا هبت ، ب س : إذا وصلت ، م . ( 5 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها . ( 6 ) انظر البغوي ، 3 / 263 . ( 7 ) أحرى ، س م : أجرى ، ب . ( 8 ) كما قلت ، م : - ب س . ( 9 ) من الدم ، م : - ب س .