أحمد بن محمود السيواسي
210
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
مجادلا لرسلنا ، لأن إبراهيم لا يجادل ربه ، والمعنى : أنه سأل ربه ويطلب إليه تضرعا وإلحاحا ، وقيل : مجادلته إياهم أن قال لهم أتهلكون قوما فيهم خمسون مؤمنا من مدائن قوم لوط ؟ قالوا : لا ، قال : أو أربعون ؟ قالوا : لا ، قال : أو ثلاثون ؟ قالوا : لا حتى بلغ خمسة ، قالوا : لا ، قال إبراهيم : لو كان فيها واحد مسلم أتهلكونها ؟ قالوا : لا ، قال إبراهيم عليه السّلام عند ذلك : أن فيها لوطا ، قالوا : « نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ « 1 » » « 2 » ، قال ابن عباس : « لو كان فيهم خمسة يصلون رفع عنهم العذاب » « 3 » . [ سورة هود ( 11 ) : آية 75 ] إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ( 75 ) ( إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ ) أي غير عجول على المسئ ( أَوَّاهٌ ) أي يتأوه إذا ذكر اللّه ( مُنِيبٌ ) [ 75 ] أي رجاع إليه بالتوبة والاستغفار ، قيل : « هذه الصفات حملته على المجادلة فيهم رجاء أن يرفع عنهم العذاب ويمهلوا لعلهم يحدثون التوبة والإنابة » « 4 » . [ سورة هود ( 11 ) : آية 76 ] يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ( 76 ) ثم قال له جبريل ( يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا ) أي عن جدالك فان الرأفة عادتك ولا تنفعهم الآن ( إِنَّهُ ) أي الشأن ( قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ) بعذابهم وإهلاكهم وحكم به ( وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ ) أي نازل بهم ( عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ) [ 76 ] أي غير مصروف عنهم بجدال ولا بدعاء وشفاعة ، ثم خرجوا من عنده مقبلين إلى قوم لوط ، فوصلوا نصف النهار إلى جوار يسقين من الماء فأبصرتهم ابنة لوط ، فقالت لهم : ما شأنكم ومن أين أقلبتم ؟ فقالوا : أقلبنا من سكان كذا مسافرين ، هل أحد يضيفنا ؟ قالت : ليس فيها أحد يضيفكم إلا ذلك الشيخ ، فأشارت إلى أبيها لوط وهو على بابه فذهبوا إليه . [ سورة هود ( 11 ) : آية 77 ] وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ ( 77 ) ( وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ ) أي تحزن بمجيئهم ، لأنه رآهم على صورة الغلمان ( وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ) أي ضاق صدره اغتماما ومخافة عليهم من خبث قومه وعجزا عن مقاومتهم « 5 » لا يدري أيأمرهم بالنزول أم بالرجوع لما رآى جمالهم ( وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ ) [ 77 ] أي شديد فجاء بهم منزله سرا ، وقال لامرأته : قومي واخبزي ولا تعلمني أحدا ، وكانت امرأته منافقة فانطلقت تطلب بعض حاجتها فأخبرت قومها أن عندنا أضيافا من هيئتهم كذا وكذا . [ سورة هود ( 11 ) : آية 78 ] وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ( 78 ) ( وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ ) أي يسرعون ( إِلَيْهِ ) كأنما يدفعون دفعا « 6 » ، والهرع مشي بين مشيين « 7 » لنيل شهوتهم ( وَمِنْ قَبْلُ ) أي قبل أن يبعث إليهم لوط أو قبل اتيان الرسل ( كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ ) أي الفواحش وهي الاتيان من الأدبار ، فلما أراد الدخول في بيته ( قالَ ) لهم لوط ( يا قَوْمِ هؤُلاءِ ) مشيرا إلى نساء أمته أو إلى ابنتيه ( بَناتِي ) وأضافها إلى نفسه على التقدير الأول ، لأن كل نبي أبو أمته ( هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ) بالتزويج بشرط الإسلام ، وقيل : كان في ذلك الوقت تزويج المسلمة من الكافر جائزا كما زوج النبي عليه السّلام ابنته من عتبة بن أبي لهب قبل الوحي وكان كافرا « 8 » ، وقيل ذكر ذلك على سبيل الدفع وإظهار التواضع ليستحيوا منه لا على التحقيق
--> ( 1 ) العنكبوت ( 29 ) ، 32 . ( 2 ) نقله المؤلف عن الكشاف ، 3 / 47 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 227 - 228 . ( 3 ) انظر الكشاف ، 3 / 47 . ( 4 ) أخذه عن الكشاف ، 3 / 47 . ( 5 ) عن مقاومتهم ، س : عن مقاولتهم ، ب م . ( 6 ) كأنما يدفعون دفعا ، ب س : - م . ( 7 ) مشيين ، ب م : المشيين ، س . ( 8 ) نقله عن البغوي ، 3 / 230 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 3 / 48 .