أحمد بن محمود السيواسي
207
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
من بعد يبعد بضم العين فيهما ، وللهلاك من بعد بكسر العين يبعد بفتحها ، والدعاء بالهلاك عليهم بعد هلاكهم ليدل على استحقاقهم به يقينا . [ سورة هود ( 11 ) : آية 61 ] وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ( 61 ) ( وَإِلى ثَمُودَ ) أي وأرسلنا إلى قبيلة ثمود ( أَخاهُمْ صالِحاً ) في النسب لا ينصرف للتأنيث والتعريف وفي موضع ينصرف هو اسم للقوم ( قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ) أي وحدوه وأطيعوه ( ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ ) أي خلقكم ابتداء ( مِنَ الْأَرْضِ ) يعني من آدم وآدم منها ( وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها ) أي أطال عمركم بطول الحياة في الأرض أو أسكنكم فيها وأسكن من بعدكم من العمري ، يعني جعلها لكم ما عشتم ، قيل : « كانت أعمارهم ألف سنة أو ثلاثمائة » « 1 » ( فَاسْتَغْفِرُوهُ ) أي اللّه من الشرك ( ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ) بالطاعة والدعوة ( إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ ) أي سهل المطلب داني الرحمة ( مُجِيبٌ ) [ 61 ] لدعاء من دعاه من أهل طاعته . [ سورة هود ( 11 ) : آية 62 ] قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَ تَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ( 62 ) ( قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا ) أي كنا نرجو منك الانتفاع بك في ديننا وتدبير أمورنا ( قَبْلَ هذا ) أي قبل أن تدعونا « 2 » إلى دين غير دين آبائنا ، فلما نطقت بهذا القول انقطع رجاؤنا عنك وعلمنا أن لا خير فيك ( أَ تَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا ) من الآلهة ( وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ) [ 62 ] أي موقع في الريبة « 3 » والتهمة ، من أرابني فلان إذا رأيت منه ما يريبك ، وفي معناه رابني « 4 » ، يعني لا طمأنينة لنا فيما دعوتنا إليه باليقين . [ سورة هود ( 11 ) : آية 63 ] قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ( 63 ) ( قالَ ) صالح لهم ( يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ ) أي أخبروني ( إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ) أي على حجة واضحة أتتني منه ( وَآتانِي ) أي أعطاني ( مِنْهُ رَحْمَةً ) أي من عنده نبوة وحكمة لأبلغكم إياها ثم تركت أمره ودعوتكم إلى دينه ( فَمَنْ يَنْصُرُنِي ) أي يمنعني ( مِنَ اللَّهِ ) أي من عذابه ( إِنْ عَصَيْتُهُ ) وتركت أمره لدينكم الباطل ( فَما تَزِيدُونَنِي ) بقولكم هذا ( غَيْرَ تَخْسِيرٍ ) [ 63 ] أي إلا نسبتي إياكم إلى الخسران والضلال ، يعني أقول لكم إنكم خاسرون أو معناه : إنكم تخسرون أعمالي وتبطلونها وهو كالتفسيق بمعنى النسبة إلى الفسق . [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 64 إلى 65 ] وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ ( 64 ) فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ( 65 ) ثم قال ( وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً ) أي علامة لنبوتي وعبرة لتعتبروا بها فتؤمنوا وهو نصب على الحال ، و « لَكُمْ » متعلق به معنى ، لأنه أيضا حال من « آيَةً » مقدما عليه ، إذ لو تأخر لكان صفة لها ، وذلك أن قومه طلبوا منه أن يخرج ناقة عشراء من هذه الصخرة ، فدعا صالح فخرجت تلك الناقة وولدت في الحال مثلها ، ثم قال ( فَذَرُوها تَأْكُلْ ) أي اتركوها ترتع ( فِي أَرْضِ اللَّهِ ) أي في وادي الحجر ( وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ ) أي ولا تصيبوها بعقر ( فَيَأْخُذَكُمْ ) إن عقرتموها ( عَذابٌ قَرِيبٌ ) [ 64 ] أي عاجل لا يتأخر عن مسكم لها بسوء إلا يسيرا ، وذلك ثلاثة أيام ، ثم يقع عليكم وكانت لهم بئر واحدة عذبة ، فجعل صالح للناقة شرب يوم لا يقربونها ولهم شرب يوم لا تحضرها ، وكانت امرأة جميلة غنية تتأذى بالناقة لأجل سائمتها ، فقالت من عقر الناقة أزوج نفسي منه ، فخرجت جماعة منهم قدار بن سالف ومصدع وجاؤوا إلى ممرها ، فرماها مصدع بسهم فأصاب رجلها ،
--> ( 1 ) عن الضحاك ، انظر البغوي ، 3 / 221 . ( 2 ) تدعونا ، ب : يدعونا ، س م . ( 3 ) في الريبة ، ب س : في الريب ، م . ( 4 ) رابني ، ب س : أرابني ، م .