أحمد بن محمود السيواسي
204
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
قرئ بفتح اللام وتشديد النون مكسورة تأكيدا إرادة الإضافة وبفتح النون أيضا مشددة وبإسكان اللام وكسر النون مخففا « 1 » ، ثم أكده بقوله ( إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ) [ 46 ] أي أمنعك من أن تسأل ما لا تعرف كنهه جهلا وغباوة فتعد من الجاهلين بسؤال نجاة الكافرين أو بدعائك إهلاك الكفار ثم بسؤال نجاة كافر منهم ، وإنما عاتبه ونسبه إلى الجهل مع أنه وعده أن ينجي أهله ولم يكن عالما بكفر ابنه ، لما « 2 » رأى أن ابنه قد شارف الغرق « 3 » اشتبه « 4 » عليه الأمر فاقتضى المقام أن يسأل الإماطة الشبهة ، لأن تقديم الوعد له بانجاء أهله مع استثناء من سبق عليه القول منهم كان مستوجبا أن يعتقد أن في جملة أهله من ليس بناج لكونه غير صالح بلا شبهة ، فعوتب على أن اشتبه عليه ما يجب عليه أن لا يشتبه ، والأكثر أنه كان ابن نوح من صلبه لقوله « وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ » ، وقوله « لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ » بمعنى من أهل دينك ، قال ابن عباس : « ما بغت امرأة نبي قط » « 5 » ، ولما كان نداء نوح ربه متضمنا بمعنى السؤال . [ سورة هود ( 11 ) : آية 47 ] قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 47 ) ( قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ) بعد اليوم ( ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ) يعني اغفر لي واحفظني من سؤال ذلك حتى لا أعود إليه وإلى أمثاله ( وَإِلَّا ) أي إن لم ( تَغْفِرْ لِي ) ما فرط مني من ذلك ( وَ ) لم ( تَرْحَمْنِي ) بالتوبة ( أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ ) [ 47 ] أعمالا ، قيل : هذه عادة الصالحين أنهم إذا وعظوا اتعظوا وإذا نبهوا للخطأ استغفروا وتعوذوا « 6 » ، وإنما حكى اللّه تعالى ما صدر من الأنبياء من التعوذ والاستغفار بعدهم ليقتدي بهم في ذلك من غير قنوط عن رحمته . [ سورة هود ( 11 ) : آية 48 ] قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ ( 48 ) قوله ( قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا ) خطاب لنوح عليه السّلام بالهبوط من السفينة بعد ما استوت على الجودي ، أي أنزل من السفينة مسلما محفوظا من الغرق من جهتنا ( وَبَرَكاتٍ ) أي بخيرات نامية وسعادات كاملة ( عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ) مؤمنين « 7 » في السفينة ، لأنهم كانوا أمما مختلفة بكثرة التوالد والتناسل و « من » للبيان ، فالسلام والبركة مختصة بمن كان معه ، ويجوز أن يكون « من » ابتدائية بمعنى وعلى أمم ناشئة ممن معك ، فيعم السّلام جميع المؤمنين إلى يوم القيامة ، قوله ( وَأُمَمٌ ) مبتدأ ، صفته ( سَنُمَتِّعُهُمْ ) خبره محذوف ، وهو ممن معك بتقدير التقديم على أمم « 8 » ، يعني ينشأ من الذين معك أمم يتمتعون « 9 » بالدنيا كافرون « 10 » ( ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ ) [ 48 ] في الآخرة ، فدخل في التمتع والعذاب كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة ، قيل : مات الأمم الذين كانوا معه في السفينة ولم يكن منهم نسل إلا من أولاد نوح سام وهو أبو العرب وأشراف الناس ، وحام وهو أبو السودان والزنج ونوبة ، ويافث وهو أبو الترك والخوز ويأجوج ومأجوج « 11 » لقوله تعالى « وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ
--> ( 1 ) « فلا تسألن » : قرأ قالون والشامي بفتح اللام وتشديد النون مكسورة وحذف الياء في الحالين وورش وأبو جعفر كذلك إلا أنهما يثبتان الياء وصلا فقط ، وابن كثير بفتح اللام وتشديد النون مفتوحة وأبو عمرو ويعقوب باسكان اللام وتخفيف النون مكسورة وإثبات الياء بعدها وصلا لأبي عمرو وفي الحالين ليعقوب ، والباقون كذلك لكنهم حذفوا الياء في الحالين وإذا وقف عليه حمزة فبالنقل فقط . البدور الزاهرة ، 155 . ( 2 ) ولم يكن عالما بكفر ابنه لما ، ب : ولم يعلم أن ابنه كافرا ولما ، س ، - م . ( 3 ) قد شارف الغرق ، ب م : شارف ، س . ( 4 ) اشتبه ، س : فاشتبه ، ب م . ( 5 ) انظر البغوي ، 3 / 215 . ( 6 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها . ( 7 ) مؤمنين ، ب س : - م . ( 8 ) بتقدير التقديم على أمم ، ب س : - م . ( 9 ) يتمتعون ، ب س : تتمتعون ، م . ( 10 ) كافرون ، ب س : - م . ( 11 ) راجع في هذا الموضوع إلى تفسير قوله « قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ . . . » ، رقم الآية ( 94 ) من سورة الكهف .