أحمد بن محمود السيواسي

199

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

( وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ) أي مفاتيح رزقه فادعى الفضل عليكم بالغنى ( وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ) أي ولا أقول لكم أعلم ما غاب عني وعنكم بالادعاء حتى تنسبوني إلى الكذب والافتراء ( وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ ) حتى تقولوا لي ما أنت إلا بشر مثلنا ( وَلا أَقُولُ ) أي ولا أحكم ( لِلَّذِينَ تَزْدَرِي ) أي على الذين تحتقرهم ( أَعْيُنُكُمْ ) من الضعفاء ( لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً ) أي إيمانا وتوفيقا لجهلي بحالهم كما تقولون نزولا على هواكم ومساعدة لكم ، يعني لا أدعي ما ليس عندي علمه ( اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ ) من التصديق والإنكار ( إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) [ 31 ] أنفسهم إن قلت شيئا من ذلك أو إن طردتهم ولم أقبل منهم الإيمان بسبب جهلي بما في قلوبهم ، فلما عجز قومه عن جواب نوح ( قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا ) أي خاصمتنا ( فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا ) أي زدت بالقول خصامنا ، يعني غلبتنا بدعائنا وموعظتنا ونحن لا نقبلها ( فَأْتِنا بِما تَعِدُنا ) من العذاب المعجل ( إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) [ 32 ] بأن العذاب ينزل علينا . [ سورة هود ( 11 ) : آية 33 ] قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 33 ) ( قالَ ) لهم نوح ( إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ ) أي ما يأتيكم بالعذاب إلا ( اللَّهُ إِنْ شاءَ ) أن يعذبكم ( وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ) [ 33 ] أي بفائتين من عذابه إن شاء تعذيبكم . [ سورة هود ( 11 ) : آية 34 ] وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 34 ) ( وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي ) أي نصيحتي ووعظي ( إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ ) لتستغفروا من الشرك فتؤمنوا ( إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ) أي يضلكم ويهلككم على الضلالة ( هُوَ رَبُّكُمْ ) أي خالقكم ومتصرفكم كيف يشاء ، ليس له شريك في خلقه ، له الحكم ، أي الأمر كله له في الهداية والضلالة ( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) [ 34 ] فيجزيكم بأعمالكم بعد الموت والبعث ووجه ترادف الشرطين : إن الشرط الثاني جزاؤه ما دل عليه « لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي » فهو في حكم الجزاء توسعا ، فوصل بالشرط الثاني فهذا الشرط مع جزائه يكون في حكم جزاء الشرط المقدم عليه وكذلك الحكم في كل شرط إلى أن ينتهي الشروط السابقة ، فلو قال رجل لامرأته أنت طالق إن كلمت زيدا إن دخلت الدار إن أكلت خبزا كان تقديره : إن أكلت خبزا أنت طالق ، فلو كلمت ثم دخلت ثم أكلت لم تطلق ، لكن إن أكلت ثم دخلت ثم كلمت طلقت ، فيكون تقدير الآية أيضا : إن كان اللّه يريد أن يغويكم ، فان أردت أن أنصح « 1 » لكم لا ينفعكم نصحي ، فمثل هذه التعليقات حكمها أن يتقدم المؤخر ويتأخر المقدم في الوقوع كما عرفته . [ سورة هود ( 11 ) : آية 35 ] أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ ( 35 ) ثم قالوا إنه افترى من نفسه التوحيد والدعوة إليه ما أرسل لتبليغه ، فقال تعالى لنوح عليه السّلام بالاستفهام للتقرير وبزيادة الميم « 2 » ( أَمْ يَقُولُونَ ) أي قوم نوح ( افْتَراهُ ) أي اختلقه نوح ( قُلْ ) لهم يا نوح ( إِنِ افْتَرَيْتُهُ ) من ذات نفسي ( فَعَلَيَّ إِجْرامِي ) أي عقوبة افترائي ( وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ ) [ 35 ] أي مما تتأثمون في إسناد الافتراء إلي لإعراضكم ومعاداتكم ، وقيل : « هو خطاب لأهل مكة » « 3 » في تكذيب النبي عليه السّلام . [ سورة هود ( 11 ) : آية 36 ] وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 36 ) قوله ( وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ ) إقناط له من إيمان قومه سوى من آمن به ، فدعا عليهم عند ذلك « رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً » « 4 » ، ثم قال تعالى له بعد ندامته على دعائه وتحزنه عليهم ( فَلا تَبْتَئِسْ ) أي فلا تحزن يا نوح ( بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ) [ 36 ] أي بسبب فعلهم من تكذيبك وإيذائك

--> ( 1 ) أنصح ، س م : النصح ، ب . ( 2 ) بالاستفهام للتقرير وبزيادة الميم ، ب س : - م . ( 3 ) عن مقاتل ، انظر السمرقندي ، 2 / 125 . ( 4 ) نوح ( 71 ) ، 26 .