أحمد بن محمود السيواسي

17

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

لأسلمنا « 1 » ، فهم النبي عليه السّلام أن يفعل ذلك رجاء حسن إسلامهم ، فنهى اللّه عن طردهم تكريما لهم « 2 » ، ثم وصفهم بالإخلاص في العمل بقوله ( يُرِيدُونَ ) بعملهم ( وَجْهَهُ ) أي ذاته تعالى لا شيئا آخر منه ، وهو نصب على الحال من ضمير « يدعون » ، ثم تكلموا في دينهم وطعنوا في إخلاصهم عند النبي عليه السّلام فنزل « 3 » ( ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ) مبتدأ ، و « مِنْ » زائدة و « عَلَيْكَ » خبره ، و « مِنْ حِسابِهِمْ » بيان له ، أي حسابهم عليهم لازم لهم لا يتعداهم إليك إن كان في باطنهم أمر غير مرضي ( وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ ) أي وحسابك عليك لا يتعداك إليهم ، والجملتان بمنزلة جملة واحدة في قصد معنى واحد ، وهو لا يؤاخذ كل منكما بحساب صاحبه كقوله « وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى » « 4 » ، يعني لا يلزمك الا اعتبار الظاهر وسيرة الأتقياء « 5 » وإن كان لهم باطن غير مرضي ، قوله ( فَتَطْرُدَهُمْ ) نصب في جواب النفي ، أي لا تكلف أمرهم فتطردهم من مجلسك ( فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ) [ 52 ] إن طردتهم من مجلسك . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 53 ] وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ( 53 ) ثم قال تعالى ( وَكَذلِكَ ) أي ومثل « 6 » ذلك الاختبار « 7 » ( فَتَنَّا ) أي اختبرنا ( بَعْضَهُمْ ) أي بعض الناس ( بِبَعْضٍ ) يعني ابتلينا الغني بالفقير والشريف بالوضيع ، فإذا رأى الأغنياء الفقراء أو الشرفاء « 8 » الوضعاء سبقوهم بالإيمان امتنعوا أن يؤمنوا تكبرا ، أي خذلناهم بالافتنان ( لِيَقُولُوا ) أي المشركون احتقارا بهم ( أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا ) أي أنعمهم اللّه بالإسلام دوننا ، وفضلهم علينا ولو كان الإيمان خيرا ما سبقونا إليه ، ثم قال مستفهما تقريرا ( أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ) [ 53 ] أي بمن يعرف اللّه ويشكر نعمته منكم من غيرهم ، وأعمل « أعلم » في « بِالشَّاكِرِينَ » ، لأنه ظرف ولا يعمل أفعل التفضيل في المفعول الصريح . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 54 ] وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 54 ) قوله ( وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا ) وهم الضعفة من المسلمين ، نزل إكراما لهم « 9 » ، أي إذا أتاك المقرون بالقرآن العاملون به ( فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ) أي ابتدئهم « 10 » بالسلام إكراما لهم وتطييبا لقلوبهم وبشرهم بقولك لهم ( كَتَبَ رَبُّكُمْ ) أي أوجب ( عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ) لكم بقبول توبتكم وعذركم ( أَنَّهُ ) بفتح « أن » بدلا من « الرَّحْمَةَ » ، وبكسرها « 11 » استئناف ، فكأن سائلا قال ما الرحمة ؟ فقيل إنه ، أي إن الشأن ( مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً ) أي ذنبا ( بِجَهالَةٍ ) أي جاهلا بتحريمه أو جاهلا بجلالة ربه لإيثاره المعصية على طاعته ( ثُمَّ تابَ ) أي رجع إليه ( مِنْ بَعْدِهِ ) أي بعد عمله « 12 » المعصية ( وَأَصْلَحَ ) أي أخلص العمل تائبا ( فَأَنَّهُ ) بالفتح على أنه مع ما بعده « 13 » مبتدأ وخبره محذوف ، تقديره « 14 » : فله أنه ، وبالكسر « 15 » استئنافا ، أي إن اللّه ( غَفُورٌ ) بالتجاوز عن ذنبه ( رَحِيمٌ ) [ 54 ]

--> ( 1 ) لأسلمنا ، ب م : أسلمنا ، س . ( 2 ) لعله اختصره من السمرقندي ، 1 / 487 ؛ وانظر أيضا الواحدي ، 182 - 184 ؛ والبغوي ، 2 / 362 ؛ والكشاف ، 2 / 68 . ( 3 ) لعل المفسر اختصره من الكشاف ، 2 / 68 ، 69 . ( 4 ) فاطر ( 35 ) ، 18 . ( 5 ) وسيرة الأتقياء ، ب م : والاتسام بسيرة الأتقياء ، س . ( 6 ) أي ومثل ، ب س : أي مثل ، م . ( 7 ) ذلك الاختبار ، ب س : ذلك الاختيار ، م . ( 8 ) أو الشرفاء ، ب س : والشرفاء ، م . ( 9 ) اختصره المصنف من السمرقندي ، 1 / 487 ؛ والكشاف ، 2 / 69 . ( 10 ) ابتدئهم ، ب س : ابتدأ لهم ، م . ( 11 ) « أنه » : قرأ نافع وأبو جعفر والشامي وعاصم ويعقوب بفتح الهمزة ، والباقون بالكسر . البدور الزاهرة ، 103 . ( 12 ) عمله ، ب م : علمه ، ب . ( 13 ) مع ما بعده ، ب س : - م . ( 14 ) تقديره ، ب س : أي ، م . ( 15 ) « فإنه » : قرأ الشامي وعاصم ويعقوب بفتح الهمزة ، والباقون بالكسر . البدور الزاهرة ، 103 .