أحمد بن محمود السيواسي
157
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
إلى قيصر فآتي بجنود فأخرج محمدا من المدينة « 1 » ، فأتوا رسول اللّه فاستأذنوه في بناء المسجد تعللا لبعد المسير عليهم إلى الصلاة مع النبي عليه السّلام ، فأذن لهم في ذلك غرضهم تفريق الجماعة من مسجد النبي عليه السّلام والإيقاع بين المؤمنين فتنة وتقوية نفاقهم « 2 » ، فقال تعالى إظهارا لنفاقهم « 3 » والذين اتخذوا ، أي القوم الذين بنوا مسجدا مضرة للمؤمنين ( وَكُفْراً ) أي وإظهارا لكفرهم المخفي في قلوبهم ( وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ ) من مسجد قباء ، يعني لكي يصلي بعضهم في مسجدهم وبعضهم في مسجد قباء فتختلف كلمتهم ( وَإِرْصاداً ) أي انتظارا ( لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) أي لمنافق كان يقاتل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حتى هزم يوم حنين « 4 » ( مِنْ قَبْلُ ) أي قبل بناء مسجد الضرار « 5 » وهو الراهب المذكور ، ف « مِنْ قَبْلُ » يتعلق ب « حارَبَ » على هذا المعنى لا ب « اتَّخَذُوا » ، يعني هم يعذبون بالنار بسبب مسجدهم الذي بنوه وأعدوه « 6 » لأجله فإذا قدم من الشام يؤمهم ليثبت لهم الفضل على إخوانهم « 7 » ، ويظهر بذلك على رسول اللّه فيتقوى نفاقهم وكفرهم ، فدعا رسول اللّه عليه فمات كافرا بالشام « 8 » ، فلما ظهر نفاقهم جاؤوا يحلفون ما أردنا ببنائه إلا خيرا فنزل « 9 » ( وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا ) ببناء المسجد ( إِلَّا ) الفعلة ( الْحُسْنى ) وهي أن لا تفوتنا الصلاة بالجماعة وليرجع الراهب فيسلم ويصلي بنا ونذكر اللّه تعالى فيه « 10 » ( وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ) [ 107 ] في حلفهم ، قيل : كل مسجد بني مباهاة أو رياء أو سمعة أو لغرض غير وجه اللّه أو بمال غير طيب فهو لا حق بمسجد الضرار « 11 » . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 108 ] لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ( 108 ) ثم أنهم طلبوا من رسول اللّه عليه السّلام حين خرج إلى غزوة تبوك أن يأتي ويصلي بهم فيه ليتبركوا بصلاته ، فقال عليه السّلام : إنا على جناح سفر فان قدمنا إن شاء اللّه صلينا لكم فيه فنزل « 12 » ( لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً ) للصلاة فيه ، ثم قال ( لَمَسْجِدٌ ) مبتدأ موصوف بقوله ( أُسِّسَ ) أي أصل ( عَلَى التَّقْوى ) أي على التوحيد « 13 » ولوجه اللّه لا على النفاق ( مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ) من أيام وجوده ( أَحَقُّ ) خبره ، أي أولى وأجدر ( أَنْ تَقُومَ ) أي بقيامك للصلاة ( فِيهِ ) وهو مسجد رسول اللّه أو مسجد قباء ( فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ) أي يتوضؤا بالماء أو يتطهروا من الذنوب بالتوبة والعمل الصالح ( وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ) [ 108 ] أي المتطهرون بالماء أو بالتوبة . روي : أن النبي عليه السّلام قال : يا معشر الأنصار إن اللّه قد أثنى عليكم فما الذي تصنعون عند الوضوء والغائظ ؟ قالوا : نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ، ثم نتبع الأحجار الماء ، فقرأ عليهم الآية ، فهم أول من استنجى بالماء ، ثم استن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الاستنجاء بالماء « 14 » . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 109 ] أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 109 )
--> ( 1 ) وكان قد قال لهم ابنوا مسجدا فاني ذاهب إلى قيصر فآتي بجنود فأخرج محمدا من المدينة ، ب س : - م . ( 2 ) لعله اختصره من السمرقندي ، 2 / 73 ؛ والكشاف ، 2 / 213 ؛ وانظر أيضا الواحدي ، 219 . ( 3 ) لنفاقهم ، س م : لنفاقها ، ب . ( 4 ) أي لمنافق كان يقاتل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حتى هزم يوم حنين ، ب س : - م . ( 5 ) الضرار ، ب م : ضرار ، س . ( 6 ) وهو الراهب المذكور فمن قبل يتعلق بحارب على هذا المعنى لا باتخذوا يعني هم يعذبون بالنار بسبب مسجدهم الذي بنوه وأعدوه ، ب س : وهو الراهب يعني عدوه ، م . ( 7 ) ليثبت لهم الفضل على إخوانهم ، ب س : - م . ( 8 ) بالشام ، ب س : في الشام ، م . ( 9 ) أخذه المصنف عن السمرقندي ، 2 / 73 . ( 10 ) ونذكر اللّه تعالى فيه ، ب ، ونذكر اللّه تعالى ، س ، - م . ( 11 ) نقله المؤلف عن الكشاف ، 2 / 213 . ( 12 ) أخذه عن السمرقندي ، 2 / 74 . ( 13 ) أي على التوحيد ، ب س : مبتدأ أي على التوحيد ، م . ( 14 ) نقله عن الكشاف ، 2 / 214 .