أحمد بن محمود السيواسي
153
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
وعقاب التخلف . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 94 ] يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 94 ) ثم أخبر تعالى عن اعتذارهم الكاذب وأمر بجوابه بقوله ( يَعْتَذِرُونَ ) أي يعتذر المنافقون عن تخلفهم عن الخروج إلى الغزو معكم ( إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ ) من الغزو ( إِلَيْهِمْ قُلْ ) يا محمد ( لا تَعْتَذِرُوا ) إلينا ( لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ ) أي لن نصدقكم أن لكم عذرا في تخلفكم عن الغزو ( قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ ) أي أيخبرنا عنكم بأنه ليس لكم عذر فيه ، فالجملة علة لانتفاء تصديقهم ، لأن الإعلام عن سوء ضميرهم وفساد عملهم « 1 » بالوحي إلى رسول اللّه يوجب عدم تصديقهم في معاذيرهم ( وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ ) في المستقبل أنكم ترجعون « 2 » عن نفاقكم أم تثبتون عليه ( وَرَسُولُهُ ) والمؤمنون ، أي وسيراه نبيه وكل من آمن به ( ثُمَّ تُرَدُّونَ ) أي ترجعون بعد الموت ( إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ) أي إلى من يعلم ما غاب من السر عن الخلق وما شاهدوه من العلانية ( فَيُنَبِّئُكُمْ ) أي يخبركم ( بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) [ 94 ] من الخير والشر في الدنيا ، فيجازيكم على حسب ذلك . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 95 ] سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 95 ) ثم قال تعالى ( سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ ) أي لطلب رضاكم ( إِذَا انْقَلَبْتُمْ ) أي إذا رجعتم ( إِلَيْهِمْ ) من الغزو ( لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ ) أي لتجاوزوا عن معاتبتهم ( فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ ) أي فتجاوزوا عن عتابهم « 3 » ، لأن العتاب « 4 » لا يصلحهم ولا ينفع فيهم ( إِنَّهُمْ رِجْسٌ ) أي لأنهم نجس لا سبيل لكم إلى تطهيرهم ، قيل : هم كانوا ثمانين رجلا منافقين « 5 » ، فحين قدم النبي عليه السّلام إلى المدينة قال لأصحابه : « لا تجالسوهم ولا تكلموهم » « 6 » ( وَمَأْواهُمْ ) أي مستقرهم في الآخرة ( جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) [ 95 ] من النفاق وعمل الكفر . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 96 ] يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ( 96 ) ثم جاء عبد اللّه بن أبي منهم إلى النبي عليه السّلام يحلف أن لا يتخلف عن الغزو أبدا ، فقال تعالى ( يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ) أي غرضهم بالحلف طلب رضاكم لينفعهم في دنياهم ( فَإِنْ تَرْضَوْا ) أي إن ترض « 7 » أنت يا محمد والمؤمنون ( عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ) [ 96 ] بالنفاق والكفر والمعصية ، وفي هذه الآية دفع وهم من يتوهم أن رضا المؤمنين يقتضي رضا اللّه تعالى ، المعنى : أن رضا المؤمنين لا ينفعهم إذا كان ساخطا عليهم . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 97 ] الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 97 ) ثم أخبر تعالى عن حال أهل البدو وكان أكثر المنافقين منهم بقوله ( الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً ) من أهل الحضر لقساوة قلوبهم وتوحشهم وبعدهم عن سماع القرآن والسنن وصحبة العلماء العاملين « 8 » للّه كغطفان وأسد وتميم ( وَأَجْدَرُ ) أي هم « 9 » أولى وأحق ( أَلَّا يَعْلَمُوا ) أي منافقوهم ( حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ) أي أحكام اللّه في كتابه وشرائعه ، يعني هم أحق بجهلها لعدم نفعها لهم ، ومنه قوله عليه السّلام : « إن الجفاء والقسوة في الفدادين » « 10 » ( وَاللَّهُ عَلِيمٌ ) يعلم حال كل أحد من أهل الوبر والمدر ( حَكِيمٌ ) [ 97 ] يحكم بعقاب
--> ( 1 ) عملهم ، ب م : علمهم ، س . ( 2 ) ترجعون ، ب س : يرجعون ، م . ( 3 ) عتابهم ، ب م : عقابهم ، س . ( 4 ) لأنه العتاب ، ب س : لأن العقاب ، م . ( 5 ) أخذه المؤلف عن البغوي ، 3 / 95 . ( 6 ) نقله المفسر عن البغوي ، 3 / 96 . ( 7 ) ترض ، ب س : ترضوا ، م . ( 8 ) العاملين ، ب س : العالمين ، م . ( 9 ) هم ، ب م : - س . ( 10 ) أخرجه البخاري ، المغازي ، 74 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 2 / 209 .