أحمد بن محمود السيواسي
14
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
والغذاء وطلب الرزق ، يعني هي تشبهكم محفوظة أحوالها غير مهمل أمرها ، والغرض من ذكر ذلك الدلالة على عظم قدرته تعالى ولطف علمه وسعة سلطانه وتدبيره ، وقيل : « في المعرفة والتحيد » « 1 » ، وقيل : في التمييز بينهم ، لأنها تعرف بأسمائها كبني آدم « 2 » ( ما فَرَّطْنا ) أي ما تركنا وما أغفلنا « 3 » ( فِي الْكِتابِ ) أي في اللوح المحفوظ ( مِنْ شَيْءٍ ) أي شيئا من الأشياء ، ف « من » زائدة للتأكيد ، يعني كل شيء ثابت فيه من غير نقصان ، فلا يخفى علينا علمه وتدبيره ( ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ) [ 38 ] أي الطيور والدواب كلها تحشر يوم القيامة إلى اللّه وينصف بعضها من بعض بعدله . ثم يقول كوني ترابا فيتمنى الكافر أن لو كان ترابا ، قيل : هذا على سبيل الحقيقة لا على وجه المثل ، لأنه وإن لم يجر عليهم القلم في الأحكام لكن فيما بينهم مؤاخذون به كالعقلاء عند اللّه تعالى « 4 » . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 39 ] وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 39 ) قوله ( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ) الدالة على آثار قدرتنا وعظمة ربوبيتنا ، أي بالقرآن ومحمد عليه السّلام ( صُمٌّ ) أي ذو ثقل في آذانهم لا يسمعون خيرا ( وَبُكْمٌ ) أي خرس « 5 » لا يقولون خيرا ، نزل حين أعرضوا عن الإيمان بعد نزول ما يدل على ربوبية اللّه ووجوب الإيمان به إظهارا لانقطاع لطفه عنهم وثبوت القساوة في قلوبهم لأخبر بأنهم « 6 » ( فِي الظُّلُماتِ ) أي في الضلالات البعيدة التي هي خواص أهل الطبع ( مَنْ يَشَأِ اللَّهُ ) ضلالته ( يُضْلِلْهُ ) أي يخذله ، لأنه ليس من أهل اللطف فيموت على كفر ( وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) [ 39 ] أي يلطف به فيستنقذه من الكفر فيموت على الإيمان . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 40 ] قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 40 ) ثم قال تبكيتا لهم ( قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ ) بتحقيق الهمزتين وبابدال الثانية ألفا وبجعلها بين الهمزة والألف ، وبحذف الثانية والتاء مفتوحة مع الكاف الزائدة لبيان الخطاب في الواحد والاثنين والجمع مذكرا كان المخاطب أو مؤنثا « 7 » ، ولا محل لها من الإعراب لكونها حرفا ، والاستفهام فيه لطلب الرأي منهم ، أي أخبروني عن عبادتكم الأصنام هل تنفعكم ( إِنْ أَتاكُمْ ) شرط ، أي إن نزل بكم ( عَذابُ اللَّهِ ) في الدنيا ( أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ ) أي القيامة ، وجواب الشرط محذوف ، وهو من تدعون لدفع العذاب عنكم ، ثم قال توبيخا لهم بالاستفهام ( أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ ) عند نزول عذاب الدنيا بكم ( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) [ 40 ] أي إن أصنامكم تنفعكم فادعوه ليدفع عنكم العذاب ، وهو تعجيز لهم ، يعني أنكم لا تدعون غير اللّه حينئذ . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 41 ] بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ ( 41 ) ( بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ ) أي بل تخصونه بالدعاء دون الأصنام ( فَيَكْشِفُ ) أي اللّه ( ما تَدْعُونَ ) أي العذاب الذي تدعون اللّه ( إِلَيْهِ ) أي إلى كشفه عنكم ( إِنْ شاءَ ) كشفه لحكمة ، لأنه فضل منه وفضل اللّه يؤتيه من يشاء ، والمراد كشف العذاب في الدنيا « 8 » ، لأن عذاب القيامة لا ينكشف عنهم أبدا ( وَتَنْسَوْنَ ) أي وتتركون ( ما تُشْرِكُونَ ) [ 41 ]
--> ( 1 ) عن عطاء ، انظر البغوي ، 2 / 355 . ( 2 ) لعله اختصره من البغوي ، 2 / 355 . ( 3 ) أي ما تركنا وما أغفلنا ، س : أي ما أعفلنا ، ب م ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 2 / 65 . ( 4 ) نقله عن السمرقندي ، 1 / 483 . ( 5 ) خرس ، ب م : أخرس ، س . ( 6 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها . ( 7 ) « أرأيتكم » : قرأ نافع وأبو جعفر بتسهيل الهمزة الثانية المتوسطة بينها وبين الألف ، ولورش وجه ثان وهو إبدالها ألفا خالصة مع إشباع المد للساكنين ، وقرأ الكسائي بحذف هذه الهمزة ، والباقون باثباتها محققة في الحالين إلا حمزة فسهلها عن الوقف . البدور الزاهرة ، 102 . ( 8 ) كشف العذاب في الدنيا ، ب م : كشف عذاب الدنيا ، س .