أحمد بن محمود السيواسي
130
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
والجنة بذلك العلم ، قوله ( وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ) عطف على « جاهَدُوا » ، داخل في الصلة ، أي ولم يظهر المجاهدون منكم والمخلصون الذين لم يتخذوا من غير اللّه ( وَلا رَسُولِهِ ) أي ومن غير رسوله ( وَلَا الْمُؤْمِنِينَ ) أي ومن غير المؤمنين ( وَلِيجَةً ) أي بطانة لصيقا بهم « 1 » بالصداقة والتحاب يفشى به سره ، من ولج إذا دخل ، يقال لخاصة الرجل وليجة ودخيلة ، وقيل : « الوليجة كل من يتخذه الرجل معتمدا عليه من غير أهله في حفظ سره » « 2 » ، والمراد الأصفياء والأولياء ، يعني ولم يتخذوا بينهم وبين أهل الكفر صفوة ومودة ( وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ) [ 16 ] بالتاء من الجهاد والتخلف والخلوص في الدين ومودة أهل الكفر وغير ذلك من الخير والشر فحذوا منه . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 17 ] ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ ( 17 ) قوله « 3 » ( ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ ) مفردا وجمعا « 4 » ، والمراد بها الكعبة ، وجمعت لإرادة الجنس الذي يدخل فيه الكعبة أو جعل كل جزء منها مسجدا ، نزل حين أسر العباس يوم بدر وعيره المهاجرون بقتال النبي عليه السّلام وبقطيعة الرحم وأغلظوا له في القول ، فقال : ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا ؟ فقال له علي : هل لكم شيء من المحاسن ؟ فقال مفتخرا في إشراكه : إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونحجها ونسقي الحاج ونفك العاني ونقرئ الضيف « 5 » ، فرد اللّه عليه بقوله « ما كانَ » ، أي ما جاز للمشركين أن يعمروا المسجد ( شاهِدِينَ ) حال من واو « يَعْمُرُوا » ، أي حال كونهم يشهدون ( عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ) بنصبهم الأصنام حول المسجد وعبادتهم إياها ، والمسجد للّه وعبادته وحده ( أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ ) في الدنيا ( وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ ) [ 17 ] أي دائمون في الآخرة . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 18 ] إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ( 18 ) ( إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ) أي بتوحيده ولم يذكر الإيمان برسول اللّه اكتفاء بذكر الإيمان باللّه لما شهر أن هذا قرين ذلك لا ينفك أحدهما عن صاحبه فكأنهما « 6 » شيء واحد لاشتمال كلمة الشهادة على الإيمان بهما « 7 » ( وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) أي بالبعث يوم القيامة ( وَأَقامَ الصَّلاةَ ) أي يداوم « 8 » على الصلوات الخمس مع الجماعة « 9 » ( وَآتَى الزَّكاةَ ) أي الصدقة المفروضة عن طيب نفس ( وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ) أي ولم يترك أمر اللّه تعالى خشية منه لا من غيره والكافر باللّه ممتنع من ذلك كله ، قيل : الكافر إذا أوصي بعمارة المسجد لا يمتثل « 10 » ( فَعَسى أُولئِكَ ) أي فلعل أهل هذه الصفة ( أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ) [ 18 ] أي أهل كونهم من الراشدين لدين اللّه ، ولهم أجر أعمالهم عند ربهم ، وفيه حسم لإطعام المشركين في الانتفاع بأعمالهم ، وتبعيد لهم عن الاتصاف بالاهتداء ، قيل : مرويا عن الرسول عليه السّلام : « إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان » « 11 » ، وقال عليه السّلام : « من بنى للّه مسجدا بنى اللّه له كهيئته في الجنة » « 12 » . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 19 ] أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 19 )
--> ( 1 ) لصيقا بهم ، ب م : لصفائهم ، س . ( 2 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها . ( 3 ) منه قوله ، ب م : - س . ( 4 ) « مساجد » : قرأ المكي والبصران باسكان السين ويلزمه حذف الألف بعدها علي الإفراد ، والباقون بفتح السين وألف بعدها على الجمع . البدور الزاهرة ، 134 . ( 5 ) عن ابن عباس ، انظر البغوي ، 3 / 17 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 39 ؛ والواحدي ، 204 . ( 6 ) فكأنهما ، س م : وكأنهما ، ب . ( 7 ) بهما ، ب س : - م . ( 8 ) يداوم ، ب س : بدوام ، م . ( 9 ) مع الجماعة ، س : مع الجماعات ، ب م . ( 10 ) نقله المفسر عن البغوي ، 3 / 17 . ( 11 ) رواه ابن ماجة ، المساجد ، 19 ؛ والدارمي ، الصلاة ، 23 ؛ وأحمد بن حنبل ، 3 / 68 ، 76 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 19 ؛ والكشاف ، 2 / 185 . ( 12 ) أخرج الترمذي نحوه ، الصلاة ، 237 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 19 .