أحمد بن محمود السيواسي

122

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

صابِرَةٌ ) محتسبة ( يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ) فنقص النصرة على قدر ما نقص من العدد ( وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ ) صابرة محتسبة ( يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ) أي بإرادته ( وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) [ 66 ] بالنصرة ففرض على المسلمين أن لا يفر واحد من اثنين ولا المائة من المائتين ، قال ابن عباس : « من فر من رجلين فقد فر ومن فر من ثلاثة لم يفر » « 1 » ، قيل : من لم يكن معه سلاح وفي خصمه سلاح جاز له أن يفر منه لأنه ليس بمقاتل « 2 » . [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 67 ] ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 67 ) ( ما كانَ لِنَبِيٍّ ) أي ما صح ( أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى ) بالتاء لتأنيث الجماعة وبالياء لتذكير الجمع « 3 » ، نزل حين أسر المسلمون سبعين رجلا من المشركين يوم بدر ، وأتوه للنبي عليه السّلام ، وقال أصحابه له خذ منهم فدية يقوي بها أصحابك ، فنهى اللّه عن ذلك ، فلما كثر المسلمون نزل « 4 » « فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً » « 5 » ، يعني ما استقام للرسول عليه السّلام أن يقبل الفدية عن الأسارى ولكن السيف ( حَتَّى يُثْخِنَ ) أي يبالغ في قتلهم ( فِي الْأَرْضِ ) ليعز الإسلام ويقويه ويذل الكفر ويضعفه ( تُرِيدُونَ ) أي أتقصدون أيها المسلمون ( عَرَضَ الدُّنْيا ) أي حطامها بأخذكم الفداء من الأسارى وسمي حطامها عرضا لحدوثه وقلة لبثه ( وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ) أي ثوابها لكم بالإثخان في القتل ( وَاللَّهُ عَزِيزٌ ) في ملكه يغلب أولياءه على أعدائه ، ويمكنهم قتلا وأسرا ( حَكِيمٌ ) [ 67 ] في أمره يؤخر أخذه الفاداء إلى أن يكثروا بهم يعجلون ، فلما نزل آية المن والفداء خيروا بين استعباد الكفار وعتقهم وفدائهم وقتلهم . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 68 إلى 69 ] لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 68 ) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 69 ) قوله ( لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ ) نزل حين أسرع المسلمون إلى الغنائم يوم بدر ، وكانت قبل ذلك لا تحل لأحد ، بل كان ينزل من السماء نار فتأكلها « 6 » ، أي لولا أن اللّه أحل الغنائم لهذه الأمة في اللوح المحفوظ ( لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ ) أي لأصابكم في أخذكم الفداء منهم ( عَذابٌ عَظِيمٌ ) [ 68 ] قال النبي عليه السّلام : « لو نزل من السماء عذاب ما نجا أحد غير عمر » « 7 » ، لأنه لم يترك القتال حين قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحابه : ما ترون في هؤلاء الأسارى فقالوا : هم بنو العم والعشيرة ، نرى لهم أن نأخذ منهم الفدية ، فتكون لنا عدة على الكفار ، وقال عمر : أرى أن نضرب عنقهم ، فهم رسول اللّه أن يأخذ الفدية ، فهددهم اللّه تعالى بنزول ذلك ، فأمسكوا عن الغنائم « 8 » ، ثم أحلها لهم بقوله ( فَكُلُوا ) الفاء للتسبيب ، والسبب محذوف ، أي قد أبحت لكم الغنائم فكلوا ( مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً ) أي أكلا حلالا مستلذا أو هو نصب على الحال من المفعول المحذوف المغنوم « 9 » ( وَاتَّقُوا اللَّهَ ) أي اخشوه فيما أمركم به ولا تعصوه ( إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ) أي متجاوز عما صدر منكم من أخذ الغنيمة قبل حلها ( رَحِيمٌ ) [ 69 ] بكم إذا أحلها لكم أو بتوبته عليكم . [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 70 ] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 70 ) قوله ( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ ) أي للذين في ملككم وقبضكم وأخذتم منهم الفداء ( مِنَ الْأَسْرى ) بيان

--> ( 1 ) انظر السمرقندي ، 2 / 25 - 26 . ( 2 ) قد أخذه عن السمرقندي ، 2 / 26 . ( 3 ) « أسرى » : قرأ أبو جعفر بضم الهمزة وفتح السين وألف بعدها ، والباقون بفتح الهمزة وإسكان السين من غير ألف . البدور الزاهرة ، 133 . ( 4 ) عن ابن عباس ، انظر البغوي ، 2 / 653 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 2 / 176 . ( 5 ) محمد ( 47 ) ، 4 . ( 6 ) عن ابن عباس ، انظر البغوي ، 2 / 653 . ( 7 ) انظر السمرقندي ، 2 / 26 ؛ والبغوي ، 2 / 654 . ( 8 ) نقله عن السمرقندي ، 2 / 26 . ( 9 ) المحذوف المغنوم ، ب س : - م .