أحمد بن محمود السيواسي

118

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

هم الذين في صدورهم ريب ، وقيل : هم المشركون « 1 » من أهل مكة ، لأن فيهم مرض الشرك ( غَرَّ هؤُلاءِ ) يعنون بالمؤمنين ( دِينُهُمْ ) إذ هم توهموا أن نصرتهم بسبب دينهم ، ثم قال تعالى جوابا لهم ( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) أي ومن يثق باللّه دون غيره ( فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ) بالنقمة ( حَكِيمٌ ) [ 49 ] بالهزيمة على المشركين وفضاحة المنافقين . [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 50 ] وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ( 50 ) ( وَلَوْ تَرى ) يا محمد ( إِذْ يَتَوَفَّى ) بالياء ، أي يقبض اللّه ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) في قتال بدر و ( الْمَلائِكَةُ ) مبتدأ ، خبره ( يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ ) أي أستاههم بالسياط عند الموت أو المراد ب « وُجُوهَهُمْ » و « أَدْبارَهُمْ » ما أقبل منهم وما أدبر ، فان الملائكة كانوا يضربون وجوههم بالسيف إذا أقبلوا وإذا أدبروا يضربون أدبارهم بالسيف أيضا ، وقرئ « تتوفى » بتائين « 2 » وفاعله « الْمَلائِكَةُ » و « يَضْرِبُونَ » حال من و « هم » ، فالمراد من التوفى على هذه القراءة الموت ، وعلى الأولى القتل ، قيل : يضربهم الملائكة بمقامع من حديد كلما ضربوهم بها تلتهب عليهم نار « 3 » ( وَ ) يقولون لهم ( ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ) [ 50 ] بشارة لهم بعذاب الآخرة ، لأنه مقدمة لعذاب النار فيها ، وجواب « لو » محذوف ، أي لو ترى ذلك لرأيت أمرا عظيما ، يعني منكرا فظيعا . [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 51 ] ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ( 51 ) ( ذلِكَ ) أي العذاب النازل بكم ( بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ) أي بسبب عملكم القبيح من الكفر والتكذيب وترككم الإيمان وهو يحتمل أن يكون من كلام الملائكة ، وهو الظاهر وأن يكون من كلام اللّه ، وعطف عليه قوله ( وَأَنَّ اللَّهَ ) أي وبأنه تعالى ( لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) [ 51 ] ليعذبهم بغير ذنب والتكثير في الظلام لأجل تكثير العبيد . [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 52 ] كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 52 ) ( كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ) خبر مبتدأ محذوف ، أي دأب هؤلاء مثل دأب آل فرعون « 4 » ، أي عادتكم يا كفار مكة كعادة قوم فرعون وصنيعهم في الكفر والتكذيب ( وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) أي وكعادة الذين قبل آل فرعون من الأمم المتقدمة ، ثم فسر دأبهم بقوله ( كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ) أي بالبينات التي جاءتهم رسلهم بها من الأمر والنهي وخبر العذاب « 5 » فلم يؤمنوا بها ( فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ ) أي عاقبهم ( بِذُنُوبِهِمْ ) أي بكفرهم ومعاصيهم ( إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ ) في أخذه بالقدرة والمشية ( شَدِيدُ الْعِقابِ ) [ 52 ] لمن أعرض عن الإيمان به وعصاه . [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 53 ] ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 53 ) ( ذلِكَ ) أي العذاب الذي نزل بهم مسبب « 6 » ( بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ) كما أن اللّه أنعم أهل مكة بمحمد والقرآن ، وكفروا به وبالقرآن ، فنقلهما إلى الأنصار بالمدينة ، وقيل : « أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف فلم يشكروا اللّه لذلك فجعل لهم الخوف مكان الأمن والجوع مكان الرخاء » « 7 » ، قيل : « ما عذب اللّه قوما ولا سلبهم النعم حتى كذبوا رسلهم ، فإذا فعلوا ذلك سلبهم العز وألزمهم الذل والمسكنة » « 8 » ( وَأَنَّ اللَّهَ ) أي وبأنه تعالى ( سَمِيعٌ ) بمقالتهم ( عَلِيمٌ ) [ 53 ] بأعمالهم . [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 54 ] كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ ( 54 )

--> ( 1 ) وقد أخذه المؤلف عن الكشاف ، 2 / 172 . ( 2 ) « يتوفى » : قرأ الشامي بالتاء الفوقية مكان الياء ، والباقون بالياء . البدور الزاهرة ، 132 . ( 3 ) نقله المصنف عن البغوي ، 2 / 642 ؛ أو الكشاف ، 2 / 172 . ( 4 ) خبر مبتدأ محذوف أي دأب هؤلاء مثل دأب آل فرعون ، ب : - س م . ( 5 ) بها من الأمر والنهي وخبر العذاب ، ب م : من الأمر والنهي ، س . ( 6 ) مسبب ، ب س : - م . ( 7 ) أخذه عن السمرقندي ، 2 / 22 . ( 8 ) عن الضحاك ، انظر السمرقندي ، 2 / 22 .