أحمد بن محمود السيواسي

110

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 24 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 24 ) قوله ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا ) أي أجيبوا ( لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ ) الرسول ( لِما يُحْيِيكُمْ ) أي للقرآن الذي به تحيى القلوب أو للقتال « 1 » الذي فيه الحياة الدائمة في الآخرة ، لأنه سبب الشهادة التي تورث الحياة « 2 » ، نزل ترغيبا للمؤمنين في إجابة النبي عليه السّلام إذا دعاهم لأمر الدين أو الدنيا « 3 » ، قيل : دعا النبي عليه السّلام أبي ابن كعب وكان على الصلاة في بيته فلم يجبه ، فعجل في صلاته ، ثم جاءه ، فقال : فقال ما منعك عن إجابتي ؟ قال كنت أصلي ، قال ألم تسمع فيما أوحي إلى « استجيبوا للّه والرسول » ، فقال : لا جرم ، لا تدعوني إلا أجبت « 4 » بعد اليوم « 5 » ، وهو مما اختص به النبي عليه السّلام أو كان دعاؤه لأمر لا يحتمل التأخير ، فإذا وقع للمصلي مثله فله أن يقطع الصلاة ويجيبه ، قوله ( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ) نزل حين جبنوا عن القتال ، فقيل لهم : قاتلوا في سبيل اللّه ، واعلموا أن اللّه يحول بين الإنسان وإرادة قلبه وإخلاصه له تعالى فلا يستطيع شيئا إلا بمشيته وإذنه « 6 » ، فألجؤوا إليه معتمدين عليه ، لأنه هو الهادي والمضل ، وقيل : « يحول بين المؤمن ومعصيته التي تجره إلى النار وبين الكافر وطاعته التي تجره إلى الجنة » « 7 » ، ولذلك كان عليه السّلام يقول كثيرا : « يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك » « 8 » ( وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) [ 24 ] في الآخرة فيجازيكم بما في قلوبكم وأعمالكم . [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 25 ] وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 25 ) ( وَاتَّقُوا فِتْنَةً ) أي ذنبا أو عذابا إن أصابكم ( لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ) بمعنى لا تصبهم بالاختصاص بل يعمكم أثرها فلا تعملوا المنكرات ، قال النبي عليه السّلام : « إن اللّه لا يعذب العامة بفعل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه ، فإذا فعلوا ذلك عذب اللّه العامة والخاصة » « 9 » ، قيل : يجوز أن يكون « لا تُصِيبَنَّ » نفيا مجزوما في جواب الأمر « 10 » ، أكد بالنون مبالغا في تحقق « 11 » إصابة الفتنة للظلمة ، وذلك لأن دخولها مختص بالطلب ولا طلب في جواب الأمر ، وإنما دخلت فيه لأن في هذا النفي معنى النهي ، وفي النهي طلب ، فهو عدول عن الخبر إلى الإنشاء لضرب « 12 » من المبالغة إذ لا يقال ذلك إلا في أمر يتردد القائل فيه فلذلك أكد بالنون ، و « من » في « مِنْكُمْ » للتبعيض ، أي لا يصيبن بعضكم وهم الذين ظلموا خاصة ، وأن يكون صفة ل « فِتْنَةً » حال كونه منفيا بتقدير « 13 » مقولا فيها ، ويكون دخول النون على المنفي في غير القسم شاذا « 14 » ، وأن يكون نهيا بعد الأمر ، فكأنه قيل احذروا فتنة ، ثم قيل لا تتعرضوا للظلم فيصيب أثر الفتنة وهو عقاب « 15 » الذين ظلموا خاصة ، وهم أنتم ف « مِنْكُمْ » للبيان ، وذلك « 16 » التفسير حسن « 17 » ، لأن النهي في « لا تُصِيبَنَّ » وإن كان متوجها إلى الفتنة في الظاهر لكن المراد نهيهم عن التعرض لها ، فيؤول

--> ( 1 ) للقتال ، ب س : القتال ، م . ( 2 ) الحياة ، ب م : - س . ( 3 ) لعله اختصره من السمرقندي ، 2 / 13 ؛ والكشاف ، 2 / 162 . ( 4 ) أجبت ، س : أجيب ، ب م ؛ وانظر أيضا البغوي ، 2 / 616 ؛ والكشاف ، 2 / 162 . ( 5 ) أخذه عن البغوي ، 2 / 616 ؛ أو الكشاف ، 2 / 162 . ( 6 ) لعل المؤلف اختصره من البغوي ، 2 / 616 . ( 7 ) عن ابن عباس ، انظر السمرقندي ، 2 / 13 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 2 / 616 . ( 8 ) رواه الترمذي ، القدر ، 7 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 2 / 617 . ( 9 ) أخرجه أحمد بن حنبل ، 4 / 192 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 2 / 618 . ( 10 ) أخذه المصنف عن البغوي ، 2 / 617 ؛ أو الكشاف ، 2 / 163 . ( 11 ) تحقق ، ب س : تحقيق ، م . ( 12 ) لضرب ، ب : ولضرب ، س ، أضرب ، م . ( 13 ) بتقدير مقولا فيها ، م : - ب س . ( 14 ) شاذا ، س م : شاذ ، ب . ( 15 ) عقاب ، م : العقاب ، ب س . ( 16 ) وذلك ، ب م : وهذا ، س . ( 17 ) التفسير حسن ، س : التفسير أحسن ، م ، - ب .