أحمد بن محمود السيواسي
88
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
تحلوا حلاله وتحرموا حرامه ( وَاشْكُرُوا لِلَّهِ ) الذي رزقتموها ( إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) [ 172 ] أي إن تخصوه بالعبادة وتعترفوا أنه مولى النعم كلها ، فقالوا للنبي عليه السّلام إن لم يكن هذه الأشياء محرمة فالمحرم ما هو فنزل « 1 » ( إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ ) بالنصب مفعول « حرم » ، أي ما حرم اللّه عليكم إلا الميتة ، وهي التي تموت من غير ذكاة من الدواب سوى السمك والجراد لقوله عليه السّلام « أحلت لي ميتتان ودمان » « 2 » ، وسيق الكلام هنا على العرف والعادة ( وَالدَّمَ ) يعني الدم الجاري ، والمراد بعضه ليخرج منه « 3 » الكبد والطحال لما مر من الخبر ( وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ ) أي جميع أجزائه وإنما عبر عنه باللحم ، لأن الأصل من الحيوان اللحم والباقي تبع له ( وَما أُهِلَّ بِهِ ) أي وحرم ما ذكر عليه اسم ( لِغَيْرِ اللَّهِ ) والإهلال : رفع الصوت في اللغة ، وكان المشركون إذا ذبحوا رفعوا الصوت بذكر آلهتهم ثم رخص لعباده في أكل الميتة عند الضرورة بقوله ( فَمَنِ اضْطُرَّ ) شرط مجزوم بكسر النون لالتقاء الساكنين وبضمها « 4 » اتباعا ، أي أحوج وألجئ إلى أكل شيء مما حرمه اللّه فليأكل ( غَيْرَ باغٍ ) نصب على الحال أي حال كونه غير ظالم على مضطر آخر ، يعني لا يستأثر نفسه بأكله ويمنع غيره منه بل يتناول شيئا ويعطي الباقي لمضطر آخر ( وَلا عادٍ ) أي غير متجاوز حد الشبع عند الأكل بالضرورة ، وقيل : غير خارج على السلطان « 5 » ولا عاد على المسلمين بالسيف ، قال الشافعي رحمه اللّه : لا يجوز للعاصي بسفره أكل الميتة للضرورة ولا الترخص برخص المسافرين ، وقال أبو حنيفة رضي اللّه عنه : يجوز « 6 » ، قيل : « من اضطر إلى الميتة أو الدم أو لحم الخنزير فلم يأكل حتى مات دخل النار » « 7 » ، فدل ذلك على أن أكله حلال ، وقيل : أكله حرام رفع عنه الإثم « 8 » بقوله ( فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) جواب الشرط أي لا حرج عليه في أكلها ، واستدل عليه بقوله بعده ( إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ) لأكله المحرم ( رَحِيمٌ ) [ 173 ] بترخيص ذلك . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 174 ] إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 174 ) قوله ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ) نزل في علماء اليهود الذين غيروا نعت محمد عليه السّلام بالتأويل في كتابهم خوفا على زوال رياستهم وفوت مآكلهم ووظائفهم من أتباعهم « 9 » ، أي أن الذين يسترون ( ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ ) أي التورية ( وَيَشْتَرُونَ ) أي يختارون ( بِهِ ) أي بالمنزل ( ثَمَناً قَلِيلًا ) أي عرضا يسيرا ( أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ) أي ملئها ( إِلَّا النَّارَ ) لأن ذلك الأكل يؤديهم إلى النار فكأنهم أكلوا النار ( وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ) لغضبه عليهم أو بما ينفعهم ( يَوْمَ الْقِيامَةِ ) بل يكلمهم بسخطه عليهم ( وَلا يُزَكِّيهِمْ ) أي لا يطهرهم من دنس الذنوب يوم يطهر المؤمنين من ذنوبهم بالمغفرة ( وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) [ 174 ] أي وجيع دائم بسبب كتمانهم الحق . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 175 ] أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ( 175 ) ثم قال في شأن هؤلاء العلماء من اليهود ( أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا ) أي اختاروا ( الضَّلالَةَ ) أي الكفر ( بِالْهُدى ) أي على الإيمان ( وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ ) أي واختاروا النار على الجنة ونعيمها ، قوله ( فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ) [ 175 ] تعجيب من حالهم ومواظبتهم على ما يوجب لهم النار من غير مبالاة بها ، أي أي شيء صبرهم عليها ، يعني
--> ( 1 ) اختصره المؤلف من السمرقندي ، 1 / 177 . ( 2 ) انظر البغوي ، 1 / 198 . أخرج نحوه ابن ماجة ، أبو عبد اللّه محمد بن يزيد ، سنن ابن ماجة ، إسطنبول ، 1981 ، الصيد ، 9 . ( 3 ) منه ، ب س : عنه ، م . ( 4 ) « اضطر » : قرأ البصريان وعاصم وحمزة بكسر النون وضم الطاء ، وأبو جعفر بضم النون وكسر الطاء ، والباقون بضمهما معا ، ولا خلاف بينهم في ضم همزة الوصل ابتداء نظرا لضم الطاء ولا عبرة بكسرها عند أبي جعفر لعروضها ، فأبو جعفر يوافق غيره في ضم همزة الوصل ابتداء . البدور الزاهرة ، 44 . ( 5 ) نقله عن البغوي ، 1 / 199 . ( 6 ) انظر البغوي ، 1 / 200 . ( 7 ) قاله مسروق ، انظر السمرقندي ، 1 / 178 ؛ والبغوي ، 1 / 200 . ( 8 ) أخذه المفسر عن السمرقندي ، 1 / 178 . ( 9 ) عن ابن عباس ، انظر الواحدي ، 40 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 1 / 178 ؛ والبغوي ، 1 / 200 .