أحمد بن محمود السيواسي
84
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
الذنوب « 1 » ، والمراد من الرحمة الثواب ( وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) [ 157 ] إلى سعادة الدارين حيث استرجعوا للمصيبة وسلموا لأمر اللّه تعالى . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 158 ] إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ ( 158 ) قوله ( إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ ) وهما علمان للملكين بطرفي المسعى ( مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ ) جمع شعيرة « 2 » ، وهي العلامة ، أي من أعلام دين اللّه ، نزل حين تحرج المسلمون من الطواف بينهما عند مجيء الإسلام ، لأنهما كانا رجلا اسمه إساف وامرأة اسمها نائلة زنيا فمسخا حجرين فوضعا في ذلك المكان فطال الزمان فعبدوهما في الجاهلية وإذا سعوا مسحوهما فكره أهل الإسلام أن يسعوا بينهما ، لأنه فعل الجاهلية ، فاذن اللّه تعالى في الطواف بينهما ، فقال : إنهما من مناسك الحج وأعلام دينه « 3 » ( فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ ) أي قصده ( أَوِ اعْتَمَرَ ) أي زاره ( فَلا جُناحَ ) أي فلا إثم ( عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ ) أي يحول ويدور ( بِهِما ) وأصل الطواف المشي حول الشيء ، والمراد هنا السعي بينهما وهو ركن عند الشافعي ومالك يجب عليه القضاء بتركه ولا يجزي عنه الدم عند أبي حنيفة رضي اللّه عنه واجب وليس بركن يجزيء عنه الدم « 4 » ( وَمَنْ تَطَوَّعَ ) بلفظ الماضي في معنى الاستقبال وقرئ ومن يطوع بلفظ المستقبل الغائب وتشديد الطاء « 5 » ، أصله يتطوع ومعناه يتبرع ، أي من تبرع « 6 » بأن زاد في الطواف بعد الواجب ( خَيْراً ) أي بخير من الحج أو العمرة أو الصلاة أو الصدقة ( فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ ) أي مجاز له ( عَلِيمٌ ) [ 158 ] بنيته ، وفيه حث على الطواف حول البيت أو هو مؤكد لقوله « فلا جناح عليه أن يطوع بهما » ، وحجة لمن يزعم أن السعي بينهما ليس بواجب ولا ركن إذا لم يؤله بالزيادة على الواجب بل يريد نفس الطواف . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 159 ] إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ ( 159 ) قوله ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ) نزل في رؤساء اليهود الذين كتموا صفة محمد عليه السّلام وآية الرجم وغيرهما كمالك ابن الضيف وابن صوريا وكعب ابن الأشرف « 7 » ، أي الذين يسترون ( ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ ) أي القرآن وما فيه من الأحكام ( وَالْهُدى ) أي الهداية إلى الإسلام بنعب محمد واتباعه بالإيمان به ( مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ ) أي أوضحناه ( لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ ) أي في التورية على كفرهم ، فالواو للحال ( أُولئِكَ ) أي أهل هذه الصفة ( يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ) أي يبعدهم عن رحمته ( وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ) [ 159 ] من الثقلين والملائكة ، يعني يقولون : اللهم العنهم ، قيل : « ما تلاعن رجلان إلا ارتفعت اللعنة بينهما فان استحقها أحدهما وإلا رجعت على الذين كتموا صفة محمد عليه السّلام » « 8 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 160 ] إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 160 ) قوله ( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا ) استثناء متصل من ضمير المفعول في « يَلْعَنُهُمُ » ، أي إلا الذين رجعوا عن كتم البينات أو منقطع ، أي لكن الذين رجعوا عن الكفر ( وَأَصْلَحُوا ) الأعمال بينهم وبين اللّه ( وَبَيَّنُوا ) أي أظهروا ما كتموا باعترافه وقراءته ليقبل توبتهم ( فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ) أي أتجاوز عنهم وأقبل توبتهم ( وَأَنَا التَّوَّابُ ) أي المتجاوز البليغ عمن تاب من ذنبه ( الرَّحِيمُ ) [ 160 ] بقبول توبته ومغفرته .
--> ( 1 ) أخذ المفسر هذا المعنى عن السمرقندي ، 1 / 169 . ( 2 ) شعيرة ، ب م : شعير ، س . ( 3 ) لعله اختصره من السمرقندي ، 1 / 170 - 171 ؛ والكشاف ، 1 / 102 . ( 4 ) هذه الأقوال منقولة عن الكشاف ، 1 / 103 . ( 5 ) « تطوع » : قرأ الأصحاب ويعقوب بالياء التحتية وتشديد الطاء وجزم العين ، والباقون بالتاء الفوقية وتخفيف الطاء وفتح العين . البدور الزاهرة ، 43 . ( 6 ) أي من تبرع ، ب م : - س . ( 7 ) نقله عن السمرقندي ، 1 / 171 ؛ وانظر أيضا الواحدي ، 39 ؛ والبغوي ، 1 / 187 . ( 8 ) عن ابن مسعود ، انظر السمرقندي ، 1 / 171 .