أحمد بن محمود السيواسي
75
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
المنزل منك ، جمع آية وهي كل كلام متصل إلى انقطاعه ( وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ ) أي القرآن ( وَالْحِكْمَةَ ) أي مواعظه وأحكامه من الحلال والحرام ليعملوا به ( وَيُزَكِّيهِمْ ) أي يطهرهم من الكفر والمعاصي ( إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ ) أي الذي يقهر من « 1 » عصاه ولا يغلبه شيء لعزته أو لا يعجزه شيء عما أراد ( الْحَكِيمُ ) [ 129 ] أي الذي يوافق فعله علمه ، روي أن النبي عليه السّلام قال : « أنا دعوة إبراهيم » ، أي إثر دعائه وبشري عيسى ، لأنه بشر برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد « 2 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 130 ] وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 130 ) ثم استفهم استفهام إنكار واستبعاد أن يكون من العقلاء من يرغب عن الحق الواضح بقوله ( وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ ) أي بترك شريعته ودينه وهو الإسلام ( إِلَّا مَنْ سَفِهَ ) أي جهل ( نَفْسَهُ ) نصب مفعول فلا يتفكر في أمر نفسه ليعرف ربه الذي خلقه فسواه ويعده ، روي عن النبي عليه السّلام إنه قال : « من عرف نفسه فقد عرف ربه » « 3 » ، فكل من عبد غير اللّه فقد جهل نفسه ، ومحل « من » بعد « إلا » رفع على البدل من ضمير « يَرْغَبُ » ، وجاز البدل ، لأن « مَنْ يَرْغَبُ » كلام غير موجب في قوة ليس أحد يرغب إلا الذي سفه ، قوله ( وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ ) بيان لكرامة إبراهيم وخطأ من رغب عن ملته ، أي لقد اخترنا ( فِي الدُّنْيا ) للنبوة ودين الحق بالوحي ( وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) [ 130 ] أي لمعهم في الجنة ، يعني اخترناه في الدارين فلا يعرض عن دينه من كان له عقل . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 131 ] إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 131 ) ( إِذْ قالَ لَهُ ) ظرف ل « اصطفينا » أو منصوب باذكر مقدرة ، أي أمره ( رَبُّهُ ) بقوله ( أَسْلِمْ ) أي أخلص واستقم على الإسلام ، وذلك حين خرج من الغار ونظر إلى الكوكب والقمر والشمس فألهمه اللّه الإخلاص ( قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ) [ 131 ] أي أخلصت ديني له كقوله « إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ » « 4 » الآية « 5 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 132 ] وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 132 ) ( وَوَصَّى ) وقرئ « وأوصى » ( بِها ) أي بالملة وهي السنة الحنيفية أو بكلمة الإخلاص وهي « لا إله إلا اللّه » ( إِبْراهِيمُ بَنِيهِ ) الثمانية ، وأصل الوصية الإيصال إلى الغير بالوعظ ، قوله ( وَيَعْقُوبُ ) مرفوع عطف على « إِبْراهِيمُ » ، أي وأوصى يعقوب بنيه الاثني عشر فقال ( يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى ) أي اختار ( لَكُمُ الدِّينَ ) أي الإسلام ( فَلا تَمُوتُنَّ ) أي لا يصادفكم الموت ( إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) [ 132 ] أي مخلصون بالتوحيد ، وهذا نهي عن الموت في الظاهر وفي الحقيقة عن ترك الإسلام ، إذ الموت ليس في أيديهم وذلك حين دخل يعقوب مصر فرأى أهلها يعبدون الأصنام ، فأوصى بنيه بأن يثبتوا على الإسلام . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 133 ] أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 133 ) قوله ( أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ ) نزل حين قالت اليهود للنبي عليه السّلام : ألست تعلم أن يعقوب أوصى بنيه يوم
--> ( 1 ) من ، س : ممن ، ب ، بمن ، م . ( 2 ) نقله عن السمرقندي ، 1 / 159 . ( 3 ) انظر البغوي ، 1 / 159 . ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث المعتبرة التي راجعتها . ( 4 ) الأنعام ( 6 ) ، 79 . ( 5 ) الآية ، ب م : - س .