أحمد بن محمود السيواسي
67
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 106 ] ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 106 ) ( ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ) نزل حين طعن اليهود في النسخ فقالوا : ألا ترون إلى محمد يقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا فلا يقول إلا من تلقاء نفسه ، فلو كان حقا لم يرجع « 1 » ، فأخبر « 2 » تعالى عن حكمة النسخ ، وقال : ما ننسخ مجزوم بما الشرطية ، أي أي شيء نزله من آية بيان لما قرئ « 3 » بفتح نون التكلم والسين من نسخ « 4 » ، والنسخ : إزالة شيء بشيء « 5 » بعقبه كنسخ الشمس الظل ، وبضم النون وكسر السين من أنسخ ، والإنساخ : هو الأمر بنسخ شيء للغير كأمره تعالى بجبرائيل أن يجعل الآية منسوخة بالإعلام بنسخها مع إتيان بدلها ، قوله ( أَوْ نُنْسِها ) بالجزم عطف على « نَنْسَخْ » ، قرئ بضم نون التكلم وكسر السين بلا همز مزيد من النسيان ضد الذكر بمعنى أو ننسكها وبفتح النون والسين بالهمز « 6 » من النسأ بمعنى التأخير ، وهو أن يذهب بحفظها عن القلوب ، أي أو نؤخرها فلا نبدلها ببدل بأن نرفع تلاوتها ونؤخر حكمها كآية الرجم ، يعني نبقي حكمها ونذهب تلاوتها أو نؤخرها بأن نتركها في اللوح المحفوظ فلا ننزل لحكمة نعلمها ، والمعنى : أن كل آية نذهب بها ونبقي حكمها أو نذهب بمعناها ونبقي لفظها أو نذهب بهما معا فلا نعمل « 7 » بها ( نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها ) أي نجيء بآية هي أنفع للعباد يسرا والعمل بها أكثر ثوابا ( أَوْ مِثْلِها ) أي تأت بآية مثلها في المنفعة ابتلاء لهم من جهة الاعتقاد كابتلاء بني إسرائيل بالنهر ، قوله ( أَ لَمْ تَعْلَمْ ) استفهام تقرير أنه قادر على جميع ما يشاء أي قد علمت ( أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ) من النسخ وغيره ( قَدِيرٌ ) [ 106 ] يعني يقدر على الإتيان بالخير ومثله ، لا يعجزه شيء إذا شاء ذلك . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 107 ] أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 107 ) وكرر الاستفهام التقريري تأكيدا بقوله ( أَ لَمْ تَعْلَمْ ) يا محمد ( أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) أي هو يملكهما وما فيهما فهو أعلم بما يصلح لعباده وما يفسد لهم من نسخ الآية وإتيان غيرها أو مثلها على حسب مصالحهم ، فيجوز أن يأمر بأمر ثم يأمر بغيره كما أن شريعة موسى لم تكن قبلهم ، فأمره بذلك لاختلاف الأزمنة صالحا وفسادا في حكم الشرع كاختلاف الصيف والشتاء في حكم الطب ، ثم هدد من لم يؤمن بالناسخ والمنسوخ بقوله ( وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) أي من قرب عذابه يا يهود ( مِنْ وَلِيٍّ ) أي قريب و « مِنْ » زائدة ( وَلا نَصِيرٍ ) [ 107 ] أي مانع يمنعكم من عذابه . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 108 ] أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ( 108 ) قوله ( أَمْ تُرِيدُونَ ) نزل حين قالت اليهود : يا محمد إن كنت نبيا فاكشف عنا الغطاء حتى نرى اللّه جهرة « 8 » أو قالوا : إئتنا بكتاب من السماء كما أتى موسى التورية « 9 » أو قالوا : وسع لنا أرض مكة واجعل الصفا ذهبا حتى نؤمن بك « 10 » ، فقال تعالى أتريدون ، والميم صلة أتطلبون ( أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ ) أي محمدا ( كَما سُئِلَ مُوسى )
--> ( 1 ) نقله المؤلف عن البغوي ، 1 / 135 ؛ وانظر أيضا الواحدي ، 29 . ( 2 ) فأخبر ، ب م : فأخبره ، س . ( 3 ) « ننسخ » : قرأ ابن عامر بضم النون الأولي وكسر السين ، والباقون بفتحها . البدور الزاهرة ، 38 . ( 4 ) نسخ ، ب م : ننسخ ، س . ( 5 ) بشيء ، س م : لشيء ، ب . ( 6 ) « أو ننسها » : قرأ المكي والبصري بفتح النون الأولي والسين وهمزة ساكنة بين السين والهاء ، والباقون بضم النون وكسر السين من غير همز ولا إبدال فيه للسوسي ، إذ هو من المستثنيات ولا يخفي ما لورش من النقل والبدل في « من آية » ومن التسوط والمد في شيء ، وله فيهما عند الاجتماع أربعة أوجه : قصر البدل وتوسط اللين ، ثم توسطهما ثم مد البدل مع توسط اللين ومده . البدور الزاهرة ، 38 . ( 7 ) نعمل ، س : يعمل ، ب م . ( 8 ) عن الضحاك ، انظر السمرقندي ، 1 / 148 . ( 9 ) أخذه المؤلف عن البغوي ، 1 / 137 ؛ وانظر أيضا الواحدي ، 30 . ( 10 ) عن ابن عباس ، انظر الواحدي ، 30 .