أحمد بن محمود السيواسي

56

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

لحجر ينتفح ويجري ( مِنْهُ الْأَنْهارُ ) بالماء ( وَإِنَّ مِنْها ) أي من الحجارة ( لَما يَشَّقَّقُ ) أي لحجر يتصدع ( فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ ) أي العيون دون الأنهار ( وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ ) أي لحجر ينزل من رأس الجبل إلى أسفله ( مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ) أي من خوفه وقلوبكم لا تخشى ولا تلين يا طائفة اليهود ، قيل : هذا على وجه المثل ، يعني لو كان له عقل لفعل ذلك « 1 » ، وقيل : يجوز أن يراد به الجبل الذي صار دكا حين كلم اللّه موسى « 2 » ( وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عن ما تَعْمَلُونَ ) [ 74 ] بالياء والتاء خطابا « 3 » من القبائح فيجازيكم عليها ، ففيه تهديد عظيم لهم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 75 ] أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 75 ) قوله ( أَ فَتَطْمَعُونَ ) خطاب للنبي عليه السّلام وأصحابه ، والاستفهام فيه للتعجيب من طلبهم الإيمان من اليهود المعاندين بتحريف كلام اللّه أو بتغيير تأويله من بعد فهمهم واستيقانهم كيلا يحزنوا على تكذيبهم القرآن والنبي ، أي أتبالغون في دعوتهم إلى الإسلام فتطمعون ( أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ) أي يصدقكم اليهود في قولكم ويحدثوا الإيمان ( وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ) أي طائفة من اليهود في زمان موسى عليه السّلام ، والواو للحال ( يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ) أي التورية ( ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ ) أي يغيرون ما فيه من الأحكام كنعت النبي عليه السّلام وآية الرجم ( مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ ) أي فهموه واستيقنوه ، و « ما » فيه مصدرية ( وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) [ 75 ] أنهم مفترون بالتحريف ، والواو فيه للحال ، يعني أنهم من أهل « 4 » السوء الذين مضوا بالعناد ، فلا تطمعوا الإيمان منهم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 76 ] وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 76 ) ثم أخبر عن حال المنافقين منهم عند ملاقاتهم المؤمنين بقوله ( وَإِذا لَقُوا ) أي اليهود المؤمنون باللسان ( الَّذِينَ آمَنُوا ) بقلوبهم ( قالُوا آمَنَّا ) كايمانكم ( وَإِذا خَلا ) أي مضى ورجع ( بَعْضُهُمْ ) وهم الذين لم ينافقوا ( إِلى بَعْضٍ ) وهم الذين نافقوا ، وهم رؤساؤهم ( قالُوا ) منكرين عليهم باللوم والعتاب « 5 » ( أَ تُحَدِّثُونَهُمْ ) أي أتخبرونهم ( بِما فَتَحَ اللَّهُ ) أي بما « 6 » منه ( عَلَيْكُمْ ) وأعطاكم من العلم بنبوة محمد عليه السّلام وصدقه الذي في كتابكم ( لِيُحَاجُّوكُمْ ) أي ليخاصمكم أصحاب محمد ( بِهِ ) أي بما فتح اللّه عليكم في أنه نبي ثابت في كتابكم فيثبت الحجة عليكم ( عِنْدَ رَبِّكُمْ ) أي فيحكمه في الدنيا والآخرة ( أَ فَلا تَعْقِلُونَ ) [ 76 ] أن ذلك حجة لهم عليكم ، وقيل : لما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لقريظة : « يا إخوة القردة والخنازير انزلوا من حصنكم » ، قالوا بينهم : من أخبر محمدا بهذا ما خرج إلا منكم « 7 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 77 ] أَ وَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ( 77 ) ثم استفهم اللّه تعالى بقوله ( أَ وَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ ) أي يخفون من الكفر في قلوبهم ( وَما يُعْلِنُونَ ) [ 77 ] أي يظنون من الإيمان بألسنتهم « 8 » أو ما يسرون فيما بينهم من القول وما يعلنون مع أصحاب محمد عليه السّلام . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 78 ] وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ( 78 ) قوله ( وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ ) مبتدأ وخبر ، إخبار عن عوام اليهود الذين قلدوهم وتابعوهم بالجهل فشاركوهم في

--> ( 1 ) أخذ هذا الرأي عن السمرقندي ، 1 / 130 . ( 2 ) نقله عن السمرقندي ، 1 / 130 . ( 3 ) « تعملون » : قرأ ابن كثير بياء الغيب ، والباقون بتاء الخطاب . انظر البدور الزاهرة ، 35 . ( 4 ) أهل ، ب : أصل ، س م . ( 5 ) العتاب ، ب س : العقاب ، م . ( 6 ) بما ، س : - ب م . ( 7 ) انظر البغوي ، 1 / 109 . ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث المعتبرة . ( 8 ) بألسنتهم ، ب : في ألسنتهم ، س م .