أحمد بن محمود السيواسي
49
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
جاهر ، نصبها حال بمعنى معاينين ( فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ ) أي النار المحرقة النازلة من السماء فأحرقتهم لسؤالكم ما هو محال على اللّه من جهلكم في الدنيا ( وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) [ 55 ] إلى الصاعقة النازلة ، قيل : ماتوا يوما وليلة ، ولم يمت موسى بل غشي عليه بدليل قوله وذلك حين أمر اللّه موسى أن يختار من قومه سبعين رجلا « 1 » ويأتي معهم إلى الطور للمناجاة معتذرين من عبادة العجل ، فلما انتهى إلى الجبل قال لهم موسى : امكثوا هنا ، فصعد موسى الجبل فناجى ربه ، فلما رجع إليهم قالوا إنك رأيت اللّه فأرناه ، فقال لم أره فلم يصدقوه فنزلت الصاعقة عليهم ، فماتوا كلهم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 56 ] ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 56 ) ثم دعا موسى ربه فأحياهم ، فأخبر عنه فقال ( ثُمَّ بَعَثْناكُمْ ) أي أحييناكم ( مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ ) ليستوفوا بقية آجالكم وكان ذلك الموت بلا أجل وإلا لم يحيوا إلى نفخ الصور ( لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) [ 56 ] اللّه للحيوة بعد الموت وقبول توبتكم ، قيل : إنما لم يمت موسى عند سؤال الرؤية ، لأن سؤاله كان اشتياقا وافتقارا ، وسؤال قومه كان تكذيبا واجتراء « 2 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 57 ] وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 57 ) ( وَظَلَّلْنا ) أي جعلنا ظلا ( عَلَيْكُمُ الْغَمامَ ) جمع غمامة ، وهي السحابة لتقيكم من حر الشمس في التيه ، وذلك حين أمروا بأن يدخلوا المدينة الجبارين ، فأبوا ذلك فعاقبهم اللّه بأن يتيهوا في الأرض أربعين سنة ، فأصابهم حر شديد وجوع مفرط ، وفي الليل ظلمة شديدة ، فرحمهم اللّه تعالى فأنزل عليهم عمودا من نور يسير معهم يضيء لهم مكان القمر ، وغماما يظلهم من الحر وسئلوا موسى الطعام فدعا ربه فاستجاب له فقال ( وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ ) أي الترنجبين في الصورة ، قيل : إنه كان أبيض مثل الثلج كالشهد المعجون بالسمن « 3 » ( وَالسَّلْوى ) السمانى ، وهو طير يضرب إلى الحمرة يأتيهم مشويا ، قيل : يأتيهم المن والسلوى من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، فيأخذ كل إنسان كفايته إلى الغد ، وإن زاد دود وفسد إلا يوم الجمعة ، فإنه يأخذ ما يكفيه ليومين ، لأنه لا يأتيهم يوم السبت « 4 » ، وقلنا لهم ( كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ) أي حلالات ( ما رَزَقْناكُمْ ) من المن والسلوى ، لا ترفعوا منه شيئا ادخارا ولا تعصوا أمري ، فرفعوا وجعلوا اللحم قديدا مخافة أن ينفد ، فرفعنا عنهم ذلك لعدم توكلهم علينا ( وَما ظَلَمُونا ) أي ما أضرونا بكفرهم هذه النعم وادخارهم الرزق بعد ما نهوا عن ذلك ( وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) [ 57 ] أي يضرون برفعهم ، فقطع عنهم الرزق ، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن النبي عليه السّلام قال : « لولا بنوا إسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم ، ولولا حواء لم تخن امرأة زوجها » « 5 » ، والخنز : النتن والفساد ، وبعد مضي أربعين سنة وموت موسى وهارون أمر اللّه تعالى يوشع بن نون خليفة موسى بأن يدخل مع قومه باب بيت المقدس بالانحناء والتواضع ليعبدوا فيها تائبين مستغفرين ، فانطلقوا ودخلوا مستهزئين . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 58 ] وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ( 58 ) فقال تعالى ( وَإِذْ قُلْنَا ) أي اذكروا وقت قولنا لكم تنزيلا لهم مكان آبائهم في الخطاب ( ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ ) أي مدينة بيت المقدس ، والقرية : الحوض الذي يجتمع فيه الماء ، سميت بها لجمعها أهلها ( فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ
--> ( 1 ) أخذه عن الكشاف ، 1 / 69 ، 70 . ( 2 ) لعله اختصره من الكشاف ، 1 / 70 . ( 3 ) لعله أخذه عن البغوي ، 1 / 87 ؛ والكشاف ، 1 / 70 . ( 4 ) أخذه عن البغوي ، 1 / 87 . ( 5 ) أخرجه البخاري ، الأنبياء ، 1 ، 25 ؛ وأحمد بن حنبل ، 2 / 304 ، 315 .