أحمد بن محمود السيواسي

45

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

التورية وتسترونه فيها بحيث لا يتميز أحدهما عن الآخر لقولهم إنه حق « 1 » ، فالباء للصلة التي يقتضيها « 2 » الفعل أو لا تجعلوا الحق ذا لبس واشتباه « 3 » بباطل تكتبونه بأيديهم في التورية فالباء « 4 » للاستعانة ، قيل : إنهم أقروا ببعض صفته وأنكروا بعضها بالتحريف ليلبسوا الحق « 5 » على الناس بذلك فلا يؤمنوا به « 6 » . قوله ( وَتَكْتُمُوا ) جزم عطف على « تَلْبِسُوا » أي لا تستروا ( الْحَقَّ ) أي صفة محمد عليه السّلام ( وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) [ 42 ] أنه رسول اللّه رب العالمين ، ويجوز أن يكون منصوبا باضمار أن بعد الواو بمعنى الجمع ، أي ولا تجمعوا لبس الحق بالباطل وكتمان الحق ، والفرق بين النهيين : أن لبس الحق بالباطل كتابتهم الباطل في التورية ليظنوا أنه حق ، فهو الخلط ، وكتمانهم الحق قولهم : لا نجد نعت محمد في التورية والحال أن ذلك ثابت فيها أو حكم كذا فيها . « 7 » [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 43 ] وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ( 43 ) ( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ) أي صلوا الصلوات الخمس بشروطها وأديموها ( وَآتُوا الزَّكاةَ ) أي أعطوا المفروضة في أموالكم ، وأدوه إلى مستحقيها « 8 » ، و « الزكاة » : زيادة من المال « 9 » ببركة من اللّه ( وَارْكَعُوا ) أي صلوا صلاة ذات ركوع ( مَعَ الرَّاكِعِينَ ) [ 43 ] أي مع المصلين ، وإنما أمرهم بذلك ، لأن اليهود لم يكن في صلاتهم ركوع ، وكانوا يصلون فرادى ، فحث المسلمين منهم أن يصلوا مع أصحاب محمد عليه السّلام في الجماعات أو أمرهم أن يصلوا مع المصلين إلى الكعبة . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 44 ] أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 44 ) ( أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ ) الهمزة فيه للتقرير مع التوبيخ والتعجيب من حالهم ، أي أتأمرونهم ( بِالْبِرِّ ) أي بالخير ، وهو الاتباع لمحمد « 10 » والإيمان به ( وَتَنْسَوْنَ ) أي تتركون ( أَنْفُسَكُمْ ) فلا تتبعونه مخافة أن يذهب منافعكم ، والنسيان والسهو أخوان في الترك ، لكن النسيان : ما غاب بعد حضوره ، والسهو أعم ، نزلت الآية في شأن أحبار اليهود الذين يقولون لحليفهم الذي أسلم ، وسألهم عن رسول اللّه في السر أثبت على دين محمد ، فان أمره حق ودينه صدق « 11 » ، فوبخهم اللّه تعالى بقوله « أَ تَأْمُرُونَ » الخلق بالمعروف وتتركون أنفسكم ( وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ ) أي تقرؤن التورية وفيها صفته عليه السّلام ( أَ فَلا تَعْقِلُونَ ) [ 44 ] أي أفلا تعلمون بقوة العقل أنه حق فتتبعونه وهو جوهر متهيء للعلم ، وأصله المنع ، سمي به لمنعه من الشر ، وفيه توبيخ على ترك الفعل لا على الأمر به لكون الأمر بالفعل الحسن حسنا على كل حال ، قيل : اطلع ناس من أهل الجنة على ناس من أهل النار ، فقالوا لهم : قد كنتم تأمروننا بالخيرات فدخلنا الجنة ، قالوا : كنا نأمر بها ونخالف إلى غيرها « 12 » ، وفيه دليل على أن من أمر بخير فليكن أشد الناس تسارعا إليه ، ومن نهي عن شر فليكن أشد الناس انتهاء عنه . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 45 ] وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ ( 45 ) ( وَاسْتَعِينُوا ) أي اطلبوا النصرة على حوائجكم إلى اللّه ( بِالصَّبْرِ ) على أداء الفرائض ومشاق العباد ( وَالصَّلاةِ ) أي بأدائها مع ما يجب فيها من إخلاص القلب وحفظ النية ودفع الوساوس ومراعاة الآداب ( وَإِنَّها ) أي

--> ( 1 ) لقولكم إنه حق ، م : لقولهم إنه حق ، س ، - ب . ( 2 ) يقتضيها ، س : تقتضيها ، ب م . ( 3 ) واشتباه ، ب س : وشبهة ، م . ( 4 ) فالباء ، ب م : والباء ، س . ( 5 ) الحق ، ب م : - س . ( 6 ) أخذه عن السمرقندي ، 1 / 114 ، 115 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 1 / 73 . ( 7 ) لا نجد نعت محمد في التورية والحال أن ذلك ثابت فيها أو حكم كذا فيها ، م : لا نجد نعت محمد في التورية أو حكم كذا فيها والحال أن ذلك ثابت فيها ، ب س . ( 8 ) مستحقيها ، س م : مستحقيه ، ب . ( 9 ) من المال ، ب م : في المال ، س . ( 10 ) لمحمد ، س م : بمحمد ، ب . ( 11 ) هذا مأخوذ عن السمرقندي ، 1 / 115 ؛ وانظر أيضا الواحدي ، 21 ( عن ابن عباس ) ؛ والبغوي ، 1 / 74 . ( 12 ) عن محمد بن واسع ، انظر الكشاف ، 1 / 66 .