أحمد بن محمود السيواسي

41

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

حتى القصعة والقصيعة ( ثُمَّ عَرَضَهُمْ ) أي المسميات بتذكير الضمير تغليبا للعقلاء المذكرين ، والعرض إظهار الشيء للغير ليعرف العارض منه حاله ( عَلَى الْمَلائِكَةِ ) ليظهر فضل آدم وقصورهم ( فَقالَ أَنْبِئُونِي ) أي أخبروني ( بِأَسْماءِ هؤُلاءِ ) المخلوقات ( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) [ 31 ] أني لا أخلق أكرم منكم ، وفيه دليل على فضل العلم ، إذ لو كان في الوجود شيء أشرف من العلم لكان الواجب إظهار فضله بذلك الشيء لا بالعلم ، ودليل أيضا على أن الأنبياء أفضل من الملائكة . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 32 ] قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 32 ) فثم أظهروا عجزهم بأن ( قالُوا سُبْحانَكَ ) أي ننزهك تنزيها عن كل ما لا يليق بعظمتك ، نصب على المصدر اللازم الإضافة ( لا عِلْمَ لَنا ) بشيء ( إِلَّا ما عَلَّمْتَنا ) أي علم ما ألهمتنا به ، يعني تبنا إليك من مقالتنا ( إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ ) بكل شيء ( الْحَكِيمُ ) [ 32 ] في أمرك وصنعك بجعل خليفة في الأرض بدلا منا لحكمة تعلمها ، و « الْحَكِيمُ » « 1 » : هو الذي يفعل ويحكم على وفق علمه ، وأصل الحكمة المنع ، ومنه حكمة الدابة ، ولما لم يجيبوا عما سأله اللّه لعجزهم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 33 ] قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ( 33 ) ( قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ ) أي أخبرهم ( بِأَسْمائِهِمْ ) أي بأسماء الموجودات ، ( فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ ) أي أخبرهم ( بِأَسْمائِهِمْ ) وأخبرهم عن منافعها وما يحل الأكل وما يحرم منها ( قالَ ) اللّه تعالى تقريرا لعلمه الأزلي ( أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) أي سرهما وسر أهلهما وكل ما فيهما ( وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ ) أي الذي تظهرون « 2 » فيما بينكم حين قال إبليس لكم ما ذا ترون إن أمرتم بطاعة آدم ، فقلتم نطيع أمر ربنا ( وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ) [ 33 ] أي الذي تسرون ، وهو الذي أسر إبليس في نفسه من قوله : لئن فضلت عليه لأهلكنه ولئن فضل علي لأعصينه . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 34 ] وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 34 ) ( وَإِذْ قُلْنا ) أي اذكر لهم وقت قولنا ( لِلْمَلائِكَةِ ) أي لجميع الحاضرين منهم ( اسْجُدُوا ) أي خروا ( لِآدَمَ ) أي إليه ، لأن السجود للّه حقيقة للعباد ، ولآدم تكرمة ظاهرا كالصلاة إلى الكعبة ، والسجود الميل في اللغة ، قيل : لم يكن ثمة وضع الجبهة على الأرض ، إنما كان مجرد الانحناء « 3 » ، وقيل « 4 » : أنه تعالى أمر جبريل أن يجمع التراب ليخلق آدم ، فنزل على الأرض ليقبض التراب منها فقالت بحق اللّه عليك أن لا تفعل ، فاني أخاف وأستحيي من ربي أن يعصي علي ، فرجع جبريل وأخبر بذلك ربه ، فبعث ميكائيل فتضرعت مثل ذلك ، ثم بعث إسرافيل فتضرعت كذلك ، ثم بعث عزرائيل فتضرعت إليه فقال أمر اللّه أولى من قولك ، فجمع التراب من وجه الأرض من كل لون ومن الطيبة والسبخة ، ثم صعد إلى السماء ، فقال اللّه لعزرائيل : أما رحمت الأرض حين تضرعت إليك ؟ فقال : رأيت أمرك أوجب من قولها ، فقال : أنت أصلح لقبض أرواح ولد آدم ، فصار ذلك التراب طينا ، ثم صار صلصالا أربعين سنة « 5 » ، فلما سواه ونفخ فيه الروح أمر الملائكة أن يسجدوا له

--> ( 1 ) الحكيم ، ب م : - س . ( 2 ) تظهرون ، ب س : يظهرون ، م . ( 3 ) نقله عن البغوي ، 1 / 65 . ( 4 ) وقيل ، س م : وروي ، ب . ( 5 ) نقله المؤلف عن السمرقندي ، 1 / 108 . وقال ابن كثير بعد ما نقل هذه الرواية في تفسيره : « فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السدي ، ويقع فيه إسرائيليات كثيرة ، فلعل بعضها مدرج ، ليس من كلام الصحابة أو أنهم أخذوه من بعض كتب المتقدمة واللّه أعلم ، انظر ابن كثير ، أبو الفداء إسماعيل عماد الدين بن عمر ، تفسير القرآن العظيم ( تحقيق : محمد إبراهيم البنا ، محمد أحمد عاشور ، عبد العزيز غنيم ) ، إسطنبول ، 1984 ، 1 / 110 ؛ وانظر أيضا البداية والنهاية ( دقق أصوله وحققه : دكتور أحمد ملحم ، دكتور علي نجيب عطوي ، الأستاذ فؤاد السيد ، الأستاذ مهدي ناصر الدين الأستاذ علي عبد الساتر ) لابن كثير ، بيروت - لبنان ، دار الكتب العلمية ، 1 / 80 .