أحمد بن محمود السيواسي
33
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
للمؤمنين ، فأمنوا بها على أنفسهم « 1 » وعيالهم ومالهم ، ومشوا في ضوءها حتى إذا بلغوا إلى آخر العمر ، كل لسانهم عنها وبقوا في ظلمة كفرهم أبد الأبد ، وقيل : نزلت الآية في شأن المشركين الذين تمكنوا في حوالي المدينة « 2 » ، فإنهم إذا حاربوا أعداءهم كانوا يستنصورن باسم محمد قبل بعثته مقرين بنبوته ، ويقولون بحق نبيك محمد أن تنصرنا ، فلما بعث النبي عليه السّلام وقدم المدينة حسدوه وكذبوه فخمدت نارهم وبقوا في ظلمات الكفر . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 18 ] صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 18 ) ثم استأنف بالوجه الثاني بقوله ( صُمٌّ ) أي هم متصامون عن سماع الحق وقبوله ( بُكْمٌ ) أي خرس عن قول الحق بالإخلاص ( عُمْيٌ ) أي فاقدوا الأبصار عن النظر الموصل إلى العبرة التي تؤديهم إلى الهدى ، يعني أن اللّه خلق هذه المشاعر الثلاثة : السمع واللسان والبصر لينتفعوا بها ، فإذا لم ينتفعوا مع سلامتها بها جعلوا كأنما انعدمت مشاعرهم ( فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ) [ 18 ] عن ضلالتهم إلى الهدى . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 19 ] أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ( 19 ) ثم ذكر الوجه الثالث الذي هو أغلظ من الأولين بادخال « أو » للتخيير فيه بقوله ( أَوْ كَصَيِّبٍ ) أي إن شئت شبههم بالمستوقد أو بأصحاب الصيب وهو ما نزل من علو إلى سفل ، والمراد المطر ، ويقال للسحاب صيب أيضا ، وهو معطوف على خبر المبتدأ ، أعني كمثل ، تقديره : أو مثلهم كمثل أصحاب صيب ينزل ( مِنَ السَّماءِ ) أي من السحاب ، وفائدة ذكر « مِنَ السَّماءِ » إيذان بأن السحاب من السحاب يأخذ ماءه ، لا كزعم من قال إنه يأخذه من البحر « 3 » ( فِيهِ ) أي في الصيب أو في السحاب ( ظُلُماتٌ ) رفعه بالظرف على الاتفاق لاعتماده على موصوف ، جمع ظلمة ، أقله ثلاثة ، فحملت على ثلاث ظلمات ، فان عاد الضمير في « فيه » إلى المطر فظلماته تكاثفه وتتابعه والأخرى ظل الغمام كأنه في المطر باعتبار المجاورة ، وإن عاد إلى السحاب فظلماته سواده وظلمة تطبيقه والأخرى ظلمة الليل بانضمامها إليهما ، والجملة من « فِيهِ ظُلُماتٌ » في محل الجر صفة ل « صيب » ( وَرَعْدٌ ) أي وفيه صوت قاصف يسمع من السحاب ( وَبَرْقٌ ) أي نار خاطفة تخرج من السحاب ، وقيل : الرعد ملك يسوق السحاب ، والبرق لمعان يظهر من سوط الملك من النار يزجر به السحاب ليمطر « 4 » وهو من الصواعق ، ولم يجمع الرعد والبرق كظلمات ، لأنه روعي أصلهما « 5 » وهو المصدر ، وإن أريد منهما العينيان ، والضمير الفاعل « 6 » يرجع إلى أصحاب الصيب مع كونه مضافا محذوفا ، أقيم مقامه الصيب في قوله ( يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ ) أي الأنامل منها ، وفي ذكر ال « أصابع » من المبالغة ما ليس في ذكر الأنامل ، وهي أنهم يدخلون من شدة الحيرة أصابعهم كله ( فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ ) أي من أجل خوفهم « 7 » ، جمع صاعقة ، وهي قطعة نار مهلكة ، ينزلها اللّه تعالى على ما « 8 » يشاء لتحرقه ، من الصعق ، وهو الإهلاك « 9 » ، قيل : كل عذاب مهلك صاعقة « 10 » ، روي كان النبي عليه السّلام يقول إذا سمع الرعد وصواعقه : « اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك » « 11 » ، المعنى : أنهم يدخلون الأنامل في آذانهم إدخالا شديدا للاحتراز عن سمع الصواعق ( حَذَرَ الْمَوْتِ ) مفعول له ، أي لأجل مخافة الهلاك ، والموت عبارة عن فساد البنية من الحيوان ( وَاللَّهُ
--> ( 1 ) أنفسهم ، س م : نفسهم ، ب . ( 2 ) عن عبد اللّه بن عباس ، انظر السمرقندي ، 1 / 98 . ( 3 ) قد أخذ المؤلف هذا الرأي عن الكشاف ، 1 / 44 . ( 4 ) أخذه المؤلف عن البغوي ، 1 / 49 . ( 5 ) روعي أصلهما ، ب س : روعي علي أصلهما ، م . ( 6 ) الفاعل ، ب : - س م . ( 7 ) خوفهم ، م : خوفها ، ب س . ( 8 ) ما ، ب س : من ، م . ( 9 ) من الصعق وهو الإهلاك ، ب م : - س . ( 10 ) نقله عن البغوي ، 1 / 49 . ( 11 ) أخرجه الترمذي ، الدعوات ، 50 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 1 / 49 .