أحمد بن محمود السيواسي

297

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

أي إن شككتم في قول الآخرين اللذين من غير أهل دينكم بأن غلب في ظنكم خيانتهما فحلفوهما جواب الشرط ، والشرط مع جوابه اعتراض بين « يقسمان » وجوابه ، وهو ( لا نَشْتَرِي بِهِ ) أي باللّه أو بالقسم أو تحريف الشهادة ( ثَمَناً ) شيئا ذا ثمن من حطام الدنيا ( وَلَوْ كانَ ) المشهود له ( ذا قُرْبى ) أي صاحب قرابة ، يعني لا نستبدل بعهد اللّه ثمنا بأن نبيعه بعرض الدنيا ولو كان ذا قربى ، وخص بالذكر لميل الناس إلى قراباتهم ، وعطف على « لا نَشْتَرِي » ( وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ ) إن سئلنا عنها بالإضافة إليه تعالى « 1 » لأمره بإقامتها والنهي عن كتمانها ( إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ ) [ 106 ] أي إنا إذا كتمنا الشهادة للّه لكنا من الفاجرين لو حلفنا كاذبين ، فاستحلفهما النبي عليه السّلام على المنبر بعد صلاة العصر بالذي لا إله إلا هو ، أنهما لم يختانا شيئا مما دفع إليهما فحلفا فخلي سبيلهما . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 107 ] فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ( 107 ) ثم ظهر أنهما باعا الإناء في السوق ، وقالا : إنا كنا اشترينا منه فاختصموا إلى رسول اله فنزل « 2 » ( فَإِنْ عُثِرَ ) أي أطلع ( عَلى أَنَّهُمَا ) أي أن الوصيين النصرانيين ( اسْتَحَقَّا إِثْماً ) أي خيانة بسرقة الإناء وكذبهما في الحلف ( فَآخَرانِ ) أي فالشاهدان الآخران « 3 » من أولياء الميت ( يَقُومانِ مَقامَهُما ) أي مقام الوصيين الخائنين ( مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ ) بصيغة المجهول ، والفاعل فيه الضمير الراجع إلى الإثم وهو صفة « آخران » ، أي آخران كائنان من القوم الذين استحق بمعنى جني ( عَلَيْهِمُ ) الإثم وهو الخيانة من النصرانيين وهم ورثة الميت وإنما أضيف إليهم الإثم ، لأن أهل الميت صاروا سببا لاستحقاق الوصيين الإثم ، فأسند إليهم مجازا ليكون بيانا لكونهم مجنيا « 4 » عليهم باثم الوصيين ، قوله ( الْأَوْلَيانِ ) بدل من الضمير في « يَقُومانِ » أو خبر مبتدأ محذوف ، أي هما الأحقان « 5 » بالشهادة عليه لقرابتهما ومعرفتهما بحال « 6 » الميت أو القائم مقام الفاعل « الْأَوْلَيانِ » بتقدير إثم الأوليين « 7 » ، وقرئ بصيغة المعلوم « 8 » والفاعل « الْأَوْلَيانِ » ، والمفعول محذوف ، أي من الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالميت ووصيته « 9 » التي أوصى بها إلى غير أهل دينه أو استحق الأوليان « 10 » بالشهادة من بين الورثة أن يجردوهما للقيام بالشهادة ليظهر بها كذب الكذابين ، وهو تثنية أولى بمعنى أحق ، وقرئ « الأولين » « 11 » ، جمع أول ، ومعنى الأولية التقدم على الأجانب في الشهادة لكونهم أحق بها ، وهو مجرور بالياء على أنه صفة « الذين » في « من الذين استحق ( فَيُقْسِمانِ ) أي يحلفان ( بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا ) أي ليميننا ( أَحَقُّ ) أي أولى ( مِنْ شَهادَتِهِما ) أي من يمين الكافرين ، يعني إذا ظهر خيانة الحالفين يقوم اثنان آخران من قرابة الميت فيحلفان باللّه أن المتاع متاع صاحبنا ويميننا أحق من يمينهما ، لأنا مسلمون وهما كافران خائنان ( وَمَا اعْتَدَيْنا ) أي ما جاوزنا الحد في الشهادة والقول بأن شهادتنا أحق من شهادتهما ، والمراد بالشهادة هنا اليمين ، ووجهه أن اليمين كالشهادة على ما يحلف عليه أنه كذلك ، وقد يقول القائل أشهد باللّه بمعنى أقسم باللّه ويقولان ( إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) [ 107 ] أي إن حلفنا كاذبين لكنا من الظالمين .

--> ( 1 ) بالإضافة إليه تعالي ، ب م : وأضاف الشهادة إليه تعالي ، س . ( 2 ) أخذه عن البغوي ، 2 / 318 . ( 3 ) فالشاهدان الآخران ، م : فالشاهدان آهران ، ب ، فشاهدان آخران ، س . ( 4 ) مجنيا ، س م : مجيبا ، ب . ( 5 ) الأحقان ، ب م : أحقان ، س . ( 6 ) بحال ، ب م : - س . ( 7 ) بتقدير إثم الأوليين ، ب س : ثم تقدير الأوليان الورثة ، م . ( 8 ) « استحق » : قرأ حفص بفتح التاء والحاء وإذا ابتدأ كسر الهمزة ، والباقون بضم التاء وكسر الحاء . البدور الزاهرة ، 97 . ( 9 ) وصيته ، س م : وصية ، ب . ( 10 ) الأوليان ، ب س : الوليان ، م . ( 11 ) « الأوليان » : قرأ حمزة وخلف وشعبة ويعقوب بتشديد الواو وفتحها وكسر اللام وبعدها ياء ساكنة وفتح النون ، والباقون باسكان الواو وفتح اللام والياء وألف بعدها وكسر النون . البدور الزاهرة ، 98 .