أحمد بن محمود السيواسي
275
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
المنافقين الذين يبادرون سريعا في الكفر بموالاة المشركين ، فاني ناصركم عليهم ، ومحل ( مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ ) أي بألسنتهم ( وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ) في السرقة ، نصب على الحال من ضمير « يُسارِعُونَ » لبيان أنهم منافقون ، قوله ( وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا ) في محل الرفع خبر مبتدأ هو ( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ) أي ومن اليهود قائلين لما يفتريه أحبارهم من الكذب على اللّه ورسوله بتحريف الكتاب وتبديل نعت محمد عليه السّلام من قولهم سمع لك ، أي قبل قولك ، ومنه سمع اللّه لمن حمده إذا قبل « 1 » حمده أو المعنى : من اليهود سماعون منك ليكذبوا عليك بالزيادة فيما يسمعون منك ، لأنهم إذا جالسوك صدقوا في ذلك ، وهم أهل خيبر ، قوله ( سَمَّاعُونَ ) خبر مبتدأ محذوف ، أي هم سماعون من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ( لِقَوْمٍ آخَرِينَ ) أي لأجل قوم آخرين من اليهود وجوههم إليه جواسيس ليبلغوهم ما سمعوا منه ، وقيل : « سَمَّاعُونَ » الثاني قريظة والقوم الآخرون يهود خيبر « 2 » ، وقوله ( لَمْ يَأْتُوكَ ) في محل الجر صفة « قوم » ، أي سماعون « 3 » لطائفة أخرى منهم لم يجيؤك لإفراطهم في شدة البغضاء والعداوة بك ، روي : أنه قد زنى يهودي بيهودية ، وكانا محصنين شريفين عند أهل خيبر ، وكان حدهما الرجم فكرهوا رجمهما لشرهما ، فبعثوا رهطا منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول اللّه عن حدهما عنده ، وقالوا : إن أمركم محمد بالجلد فاقبلوا وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا ، وأرسلوا الزانيين معهم ، فأمرهم النبي عليه السّلام بالرجم فلم يقبلوا ، فقال له جبرائيل : اجعل بينك وبينهم ابن صوريا حكما ، فدعاه النبي عليه السّلام وجاءه فجعله حكما ، فقال له : أنشدك اللّه الذي لا إله إلا هو ، هل تجد في كتابك « 4 » الرجم على من أحصن ؟ قال : نعم ، فوثب عليه سفلة اليهود ، فقال : خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب ، ثم سأل رسول اللّه عن أشياء كان يعرفها من علامات نبوته ، فقال أشهد أن لا إله إلا اللّه وانك رسول اللّه النبي الأمي العربي الذي بشر به المرسلون عليهم السّلام ، فحكم النبي عليه السّلام بالرجم فرجما عند باب مسجده ، وقال : اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه « 5 » ، قوله ( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ ) خبر مبتدأ محذوف ، أي هم يميلونه ويزيلونه ( مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ ) أي عن مواضعه التي وضع عليها من الصحة في بيان الحلال والحرام ، فيحلون حرامه ويحرمون حلاله ، ويجوز أن يكون حالا من ضمير « سماعون » ، وكذلك قوله ( يَقُولُونَ ) أي هم يقولون ( إِنْ أُوتِيتُمْ هذا ) أي أمرتم بالجدل في التورية ( فَخُذُوهُ ) أي فاقبلوه ( وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ ) ويأمركم محمد بالرجم ( فَاحْذَرُوا ) أي من حكمه ولا تقبلوه ( وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ ) أي إضلاله « 6 » وعذابه ( فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً ) أي لن تقدر على دفعه عنه ( أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ ) أي لم يرد أن يعطيهم من اللطف والتوفيق ما يزكي به ( قُلُوبَهُمْ لَهُمْ ) لأنهم ليسوا من أهله في علمه ( فِي الدُّنْيا خِزْيٌ ) بالقتل والسبي والجزية مجازاة لكفرهم ( وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ) [ 41 ] أي أشد مما كان في الدنيا . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 42 ] سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( 42 ) قوله ( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ) نزل في شأن كعب بن الأشرف وفيمن كان مثله من علماء الإسلام الذين يقبلون شهادة الزور ويحكمون بغير الحق ويرتشون في حكمهم « 7 » ( أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ) بضم الحاء وسكونها « 8 » ، أي الحرام الذي يلزم صاحبه العار أو الاستئصال في العاقبة ، قيل : يا رسول اللّه ما السحت ؟ قال : « الرشوة في
--> ( 1 ) إذا قبل ، ب س : أي قبل ، م . ( 2 ) هذا الرأي منقول عن البغوي ، 2 / 254 . ( 3 ) أي سماعون ، ب م : - س . ( 4 ) كتابك ، س م : كتابكم ، ب . ( 5 ) أخذه عن الكشاف ، 2 / 27 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 1 / 436 - 437 ؛ والبغوي ، 2 / 254 - 256 . ( 6 ) أي إضلاله ، ب م : أي ضلاله ، س . ( 7 ) نقله المصنف عن البغوي ، 2 / 257 . ( 8 ) « السحت » : قرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة وخلف باسكان الحاء ، والباقون بضمها . البدور الزاهرة ، 93 .