أحمد بن محمود السيواسي
271
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
أي الخائفين منه وأنت غير متق لسوء نيتك وخيانتك . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 28 إلى 29 ] لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ( 28 ) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ( 29 ) روي : أن حواء كانت تحمل في بطن واحد غلاما وجارية ، وولدت كذلك في عشرين بطنا ، فأمر تعالى آدم أن يزوج « 1 » أنثى هذا البطن بغير ذكره ، فقال آدم لقابيل : أمرني اللّه أن أزوج أختك إقليما لهابيل ، وكانت جميلة ، وأزوجك أخته لبوذا ، فقبل هابيل أمر اللّه وأباه قابيل ، وقال : إن اللّه لم يأمرك بهذا ولكنك تميل إلى هابيل لكونها جميلة ، فأمرهما بأن يقربا قربانا ، فأيهما يقبل قربانه بأنه كان أحق ، فقربا قربانين ، فتقبل من هابيل ولم يتقبل من قابيل ، فأضمر في قلبه أن يقتله ، وكان هابيل أقوى من قابيل وأبطش ، ولكن كان في شريعتهم أن الرجل إذا أراد أن يقتل رجلا لا يمتنع عليه « 3 » ، وقيل : انقاد حذرا عن قتال المسلم كفعل عثمان « 2 » ، فلذلك قال هابيل لقابيل ( لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ ) أي مددت يدك إلى ( لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ ) أي بماد ( يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ) [ 28 ] أي عقابه ، وإنما جاء الجزاء بلفظ اسم الفاعل ، فالشرط بلفظ الفعل ليفيد أنه لا يتصف بالوصف الشنيع ، فيقال هو باسط اليد إلى أخيه بالقتل ، ولما عزم قابيل على قتل أخيه ومخالفة أمر اللّه وأبيه قال له هابيل ( إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ ) أي ترجع ( بِإِثْمِي ) أي باثم قتلي إذا قتلتني على حذف المضاف إليه ( وَإِثْمِكَ ) أي وبإثمك الذي هو عصيان أمر اللّه وأبيك ، والمراد بالإثم وبال القتل وعقابه ( فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ ) بالإثمين ( وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ) [ 29 ] أي الكافرين بأمر اللّه وأمر نبيه عليه السّلام ، وإنما جاز أن يريد شقاوة أخيه وتعذيبه بالنار ، لأنه كان ظالما ، وجاز أن يريد العبد جزاء الظالم « 4 » كما أراد اللّه ألا يرى إلى قوله « وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ » . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 30 ] فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 30 ) ( فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ ) أي انقادت وتابعت له هوى نفسه ( قَتْلَ أَخِيهِ ) أي على أن يقتل أخاه ، فجاءه اغتيالا ( فَقَتَلَهُ ) بحجر بأرض الهند ، وقيل : عند عقبة حراء والمقتول ابن عشرين سنة ( فَأَصْبَحَ ) أي فصار « 5 » قابيل بقتل أخيه ( مِنَ الْخاسِرِينَ ) [ 30 ] أي من المغبونين « 6 » بالعقوبة في الآخرة مع كونه ابن نبي هو صفي اللّه أنه لما قتله حمله على عاتقه سبعة أيام لا يدري ما يصنع به . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 31 ] فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ( 31 ) ( فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً ) أي غرابين ، فقتل أحدهما الآخر ، فجعل الغراب القاتل ( يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ ) حفيرة وقابيل ينظر إليه فوارى فيها الغراب المقتول ، قوله ( لِيُرِيَهُ ) متعلق ب « بعث » ، أي ليعلمه اللّه بفعل الغراب ( كَيْفَ يُوارِي ) أي يستر ( سَوْأَةَ أَخِيهِ ) أي جيفته أو عورته ، لأنه قد كان سلبه ثيابه ، و « كَيْفَ » حال من فاعل « يُوارِي » ، والجملة في محل النصب ب « يري » على المفعولية ، فثم ( قالَ ) قابيل ( يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ ) أي أضعفت « 7 » في الحيلة
--> ( 1 ) يزوج ، ب م : يزوجه ، س . ( 2 ) نقله المؤلف عن السمرقندي ، 1 / 429 . نحو هذه الرواية مذكورة في التورية ، تكوين ، 4 / 1 - 15 . وقال الشيخ محمد عبده في تفسيره : « وهذه أخبار إسرائليات ، اختلفت الروايات فيها عن مفسري السلف ، يعضها يوافق ما عند اليهود في سفر التكوين وبعضها يخالفه ، وليس فيها شيء مرفوع إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يعول عليه » . انظر الشيخ محمد عبده ، تفسير القرآن الحكيم الشهير بتفسير المنار ، دار الفكر ، الطبعة الثانية ، 6 / 342 . ( 3 ) نقله المصنف عن البغوي ، 2 / 240 . ( 4 ) الظالم ، ب م : الظلم ، س . ( 5 ) فصار ، س : صار ، ب م . ( 6 ) أي من المغبونين ، م : أي الخاسرين ، ب س . ( 7 ) أي أضعفت ، ب س : أي ضعفت ، م .