أحمد بن محمود السيواسي

255

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

وعطف بيان ، خبره ( رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ ) لأنه وجد بقوله لعيسى « كن » فكان من غير أب ، ومحل ( أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ ) حال ، وقد معه مقدرة ، أي والحال أن اللّه أخبرها بالكلمة من غير أب ولا نطفة ، قيل : « أتى جبرائيل فينفخ في جيب درع مريم ، فدخلت تلك النفخة بطنها فتحرك عيسى في بطنها » « 1 » ، قوله ( وَرُوحٌ مِنْهُ ) عطف على « رَسُولُ اللَّهِ » وسمي روحا ، لأنه وجد بمجرد النفخ من غير جزء من ذي جسد حي كالنطفة المنفصلة من الأب ، وأضيف إلى « اللَّهِ » بقوله منه تشريفا له ، ثم قال ( فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ) أي وبما جاءكم رسله منه أنه واحد في الألوهية لا شريك له ولا ولد له ولا نسبة بينه وبين عيسى ، فإنه جزء من مريم لا من اللّه ، خلق من غير أب ، ومركب مثلها ( وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ ) أي الآلهة ثلاثة ، واللّه ثالث ثلاثة ( انْتَهُوا ) يكن الانتهاء عنه ( خَيْراً لَكُمْ ) من القول به ، يعني توبوا إلى اللّه بالتوحيد ولا تصروا على الكفر ( إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ ) وتأكيده قوله ( سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ) أي نزه نفسه عن ذلك تنزيها ، ثم بين تنزيهه بقوله ( لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) من الخلق ، يعني كل ما فيهما ملكه ، فكيف يصح أن يكون بعض ملكه جزء له على أن الجزء انما يكون بالتركيب والجسم وهو منزه عن صفات الأعراض والأجسام ( وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا ) [ 171 ] أي شاهدا يشهد على أنه واحد وإن لم يشهد غيره أو كفى وكيلا يكل الخلق إليه أمورهم لافتقارهم إليه وهو الغني عنهم . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 172 ] لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً ( 172 ) قوله « 2 » ( لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ ) نزل حين قال وفد نجران للنبي عليه السّلام عند المناظرة به في أمر عيسى : إنك تسب عيسى بقولك إنه عبد اللّه « 3 » ، فقال تعالى لا يأنف المسيح عيسى « 4 » أن يكون عبد اللّه ، يعني أنه مقر بعبوديته له تعالى ، يقال نكف واستنكف إذا أنف ، وأصله تنحية الدمع « 5 » من الخد ( وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ) عطف على « المسيح » وهو الظاهر في أداء الغرض من الكلام بخلاف عطفه على اسم « يكون » « 6 » ، أي ولا حملة العرش يأنفون أن يكونوا عيدا للّه ، فإنهم أقرب إليه من عيسى ، فكيف يأنف عيسى وهو عبد من عباده ، ويدل على أن عبيدا هو المحذوف « 7 » قوله « عَبْداً لِلَّهِ » ، ولو لم يقدر الحذف فيه لم يصح العطف ، لأن الملائكة جمع و « عَبْداً لِلَّهِ » مفرد ، وقيل : يجوز أن يكون المراد من « الْمَلائِكَةُ » كل واحد منهم ، فحينئذ يصح العطف « 8 » ، قيل : في الكلام ارتقاء من الأدنى إلى الأعلى ، وهو يدل على أن الملائكة مفضلون على البشر ، وأجيب عنه بأن سوق الكلام رد على الذين يقولون الملائكة آلهة كما رد على النصارى أن عيسى إله أو ولد للّه لا لتفضيل الملائكة على البشر « 9 » ( وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ ) أي يأنف ( عَنْ عِبادَتِهِ ) أي عن العبودية للّه ( وَيَسْتَكْبِرْ ) أي ويتعظم عن طاعته ( فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ ) أي « 10 » إلى اللّه ( جَمِيعاً ) [ 172 ] فيأمر بهم إلى النار . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 173 ] فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 173 ) ثم قال في شأن الموحدين ( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) أي الطاعات التي بينهم وبين ربهم ( فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ) أي يتم ثواب أعمالهم ( وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ) أي من رزقه في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، ثم قال تأكيدا في شأن المستنكفين عن عبادته ( وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا ) أي

--> ( 1 ) عن ابن عباس ، انظر السمرقندي ، 1 / 407 . ( 2 ) قوله ، ب س : - م . ( 3 ) عن الكلبي ، انظر الواحدي ، 158 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 1 / 408 . ( 4 ) عيسى ، ب م : - س . ( 5 ) الدمع ، ب س : الدموع ، م . ( 6 ) يكون ، ب م : أن يكون ، س . ( 7 ) هو المحذوف ، س : المحذوف ، ب م . ( 8 ) لعل المؤلف أخذه عن الكشاف باختصار ، 2 / 10 . ( 9 ) لعل المفسر اختصره من البغوي ، 2 / 194 . ( 10 ) أي ، س م : إلي ، ب .