أحمد بن محمود السيواسي

253

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

وكانوا اثني عشر سبطا ، فأمرنا أنبياءهم بالوحي لأن يثبتوا على التوحيد ويدعوا الناس إليه ( وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ ) أي أوحينا إليهم « 1 » كذلك ( وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً ) [ 163 ] بضم الزاء جمع زبر مصدر بمعنى مزبور ، أي أعطيناه صحفا مزبورة ، أي مكتوبة ، وبفتح الزاء « 2 » اسم لكتاب داود عليه السّلام ، كان فيه التوحيد والتمجيد والتحميد والثناء على اللّه تعالى ، وكان لداود حسن الصوت ، فيخرج إلى البرية فيقوم العلماء خلفه ويجتمع الإنس والجن والدواب والطيور لحسن صوته ، فلما أذنب الذنب المعروف لم ير ذلك فحزن ، فقال اللّه له ذلك حلاوة الطاعة وهذا وحشة المعصية . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 164 ] وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً ( 164 ) ( وَرُسُلًا ) نصب بفعل يفسره ما بعده أو تقديره : وأوحينا أو أرسلنا أنبياء ( قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ ) أي سميناهم لك بمكة ( وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ) بأسمائهم فكما أرسلناهم إلى الناس لدعوتهم إلى التوحيد أرسلناك لدعوة المشركين إلى الإيمان به ورفع الشرك ، روي عن كعب الأحبار أنه قال : « كان الأنبياء ألفي ألف ومائتي ألف » « 3 » ، وروي عن أبي ذر أنه قال : قلت يا رسول اللّه ! كم كانت الأنبياء وكم كان المرسلون ؟ قال : كانت الأنبياء مائة ألف نبي وأربعة وعشرين ألف نبي ، وكان المرسلون ثلاثمائة وثلاثة عشر مرسلا ، ولما لم يذكر موسى فيهم قالت اليهود للنبي عليه السّلام أكلم اللّه موسى أم لا فنزل « 4 » ( وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً ) [ 164 ] نصب مصدر مؤكد ، وإنما خص موسى بالتكليم مع أن اللّه تعالى كلم غيره لأنه كلمه وأوحي إليه من غير واسطة ، وقيل : كلمه بكلام لم يبلغه إلى قومه ولا أمره بتبليغه « 5 » . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 165 ] رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ( 165 ) قوله ( رُسُلًا ) نصب على التكرير أو نصب على المدح ( مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ) حالان ، أي أرسلنا رسلا مبشرين بالجنة ومنذرين بالنار ، ثم علل الإرسال بقوله ( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ ) يوم القيامة ( بَعْدَ ) إرسال ( الرُّسُلِ ) إليهم فيقولوا « 6 » ما أرسلت إلينا رسولا فكيف تعذبنا ، قيل : لو لم يرسل اللّه إليهم رسولا كان ذلك عدلا منه لموهبته العقل الذي به يعرف التوحيد لهم ، ولكنه أرسل الرسول فضلا منه ليكون تنبيها على النظر مع تبليغ ما حملوه من التكليف الديني وتعليم الشرائع وإزاحة للعلة وزيادة في الحجة عليهم « 7 » ( وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً ) بالنقمة لمن كفر به ( حَكِيماً ) [ 165 ] يرسل الرسل لحكمة منه . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 166 ] لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً ( 166 ) قوله ( لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ ) نزل حين قال مشركو مكة : إنا سألنا عنك اليهود فلم يعرفوك ، فقال عليه السّلام لليهود : واللّه إنكم عالمون أني على الحق ، فقالوا : ما نعلم ذلك « 8 » ، فقال تعالى : لا يشهد اليهود لكن اللّه يشهد بأنك نبي وبما أنزل إليك من القرآن بأن جعله معجزا على مرور الأزمان ، يشهد أنك على الحق فإنه أعظم شهادة من خلقه ، وفيه اختصار لاقتضاء « لكن » الاستدراك عن نفي شيء قبلها لإيجاب ذلك الشيء بعدها ، وقوله ( أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ) تفسير للمنزل ، ومحل « بِعِلْمِهِ » حال ، أي أنزله ملابسا بعلمه الخاص الذي لا يعلمه غيره ، وهو ما فيه من نظم « 9 » وأسلوب من البلاغة ، يعجز عنه كل بليغ ، وهو المراد بكونه شاهدا عليه

--> ( 1 ) أي أوحينا إليهم ، س : أي أوجيناهم ، ب م . ( 2 ) « زبورا » : قرأ حمزة وخلف بضم الزاي ، والباقون بفتحها . البدور الزاهرة ، 88 . ( 3 ) انظر السمرقندي ، 1 / 405 . ( 4 ) انظر السمرقندي ، 1 / 405 . ( 5 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعنها . ( 6 ) فيقولوا ، ب م : فيقولون ، س ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 1 / 405 . ( 7 ) أخذه عن السمرقندي ، 1 / 405 - 406 . ( 8 ) عن ابن عباس ، انظر السمرقندي ، 1 / 406 ؛ وانظر أيضا الواحدي ، 157 - 158 ( عن الكلبي ) . ( 9 ) نظم ، ب م : النظم ، س .