أحمد بن محمود السيواسي

248

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

قيل : « هم في توابيت من حديد مقفلة في النار » « 1 » ، وعذاب المنافق « 2 » أشد من عذاب غيره من الكفرة لكفره ونفاقه واستهزائه بالدين . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 146 ] إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً ( 146 ) ثم استثنى التائبين من النفاق بقوله ( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا ) أي رجعوا من النفاق ( وَأَصْلَحُوا ) الفاسد من أعمالهم ( وَاعْتَصَمُوا ) أي تمسكوا ( بِاللَّهِ ) أي بتوحيده ( وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ ) بقلوبهم ( لِلَّهِ ) لأن النفاق كفر القلب وإظهار الإيمان باللسان في الشريعة ، وأما تسمية الفساق باسم النفاق فمجاز وتغليظ ليمتنع عن فسقه كما قال عليه السّلام : « ثلث من كن فيه كان منافقا وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم : من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان » « 3 » ، ثم قال تعالى في جزاء التائبين من النفاق ( فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ) في الجنة أو معهم فيما لهم وما عليهم في الدنيا ( وَسَوْفَ يُؤْتِ ) بحذف ياء « يؤتى » خطا اتباعا للفظ ، لأنه حذف لالتقاء الساكنين ، أي يعطي ( اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً ) [ 146 ] في الآخرة فيشاركونهم ويساهمونهم . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 147 ] ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً ( 147 ) ثم قال باستفهام التقرير ، أي تقرير أنه لا يعذب المؤمن الشاكر « 4 » تطييبا لنفوس المؤمنين ( ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ ) أي أي شيء يفعل بعذابكم ( إِنْ شَكَرْتُمْ ) اللّه ( وَآمَنْتُمْ ) به ، أي وحدتموه ، يعني ما حاجته إلى تعذيبكم لو آمنتم بربكم خالقكم ورازقكم ، وشكرتم له على نعمه التي أنعمها عليكم أيتشفى به من الغيظ أم يستجلب به نفعا أو يستدفع « 5 » به ضررا كما يفعل السلاطين على رعاياهم بعذابهم ، وهو الغني الذي يستحيل عليه شيء من ذلك فان أقمتم بشكر نعمته وآمنتم به فقد أبعدتم عن أنفسكم استحقاق العذاب ، ويجوز أن يكون « ما » نافية ، أي لا يعذبكم إن شكرتموه ( وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً ) [ 147 ] أي مثيبا موفيا أجوركم ، عالما بحق شكركم وإيمانكم ، وتقديم الشكر على الإيمان هنا مع أن الأمر بالعكس إيذان بأن أصل التكليف الشكر المبهم ، لأن العاقل إذا نظر إلى ما أنعم عليه تصور منعما فشكر شكرا مبهما ، فأدى ذلك إلى تجديد النظر لدرك معرفة المنعم القديم فآمن به فشكر شكرا مفصلا فقدم الشكر على الإيمان من هذا الوجه . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 148 ] لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً ( 148 ) قوله ( لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ ) أي أن تجهروا بين الناس بذكر رجل منهم ( بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ ) كالشتم والخبث وغير ذلك من الألفاظ القبيحة ( إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ) نصب على الاستثناء بتقدير المضاف ، أي إلا جهر من ظلمه شخص فيدعو عليه بقول اللهم أعني عليه أو خذ لي حقي منه أو « 6 » بدئ بالشتم فرد مثله ، نزل في شأن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه ، شتمه رجل فسكت أبو بكر مرارا ، ثم رد عليه « 7 » ، وقيل : نزل في الضيف الذي ينزل بالقوم فلم يحسنوا إليه ، فله أن يذكر ما فعلوا به ، ويسب مثل ما يسبوه ما لم يكن كلاما فيه حد والسكوت أفضل « 8 » ( وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً ) لأقوالكم ودعائكم ( عَلِيماً ) [ 148 ] بأحوالكم وعقابكم إن ظلمتم . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 149 ] إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً ( 149 )

--> ( 1 ) عن ابن مسعود ، انظر البغوي ، 2 / 178 . ( 2 ) المنافق ، س : المنافقين ، ب م . ( 3 ) أخرجه مسلم ، الإيمان ، 107 ، 108 ، 109 ، 110 ؛ والبخاري ، الإيمان ، 24 ، الشهادات ، 28 ، الوصايا ، 8 ، الأدب ، 69 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 2 / 3 . ( 4 ) أي تقرير أنه لا يعذب المؤمن الشاكر ، ب س : أي تقريرا أنه لا يعذب المؤمنين الشاكرين ، م . ( 5 ) أم يستجلب به نفعا أو يستدفع به ، ب : أم سيجلب به نفعا أو سيدفع به ، س ، أم ستجلب به نفعا أو ستدفع به ، م ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 2 / 3 . ( 6 ) أو ، ب م : و ، س . ( 7 ) أخذه المصنف عن السمرقندي ، 1 / 400 . ( 8 ) عن مجاهد ، انظر السمرقندي ، 1 / 400 ؛ والواحدي ، 157 .