أحمد بن محمود السيواسي
228
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
سلمتم بتحية ، أي بقول السّلام عليكم ، فسلموا بأحسن منها ، أي بقول عليكم السّلام ورحمة اللّه ، وإذا قال المسلم السّلام عليكم ورحمة اللّه ، فقولوا عليكم السّلام ورحمة اللّه وبركاته ، وإذا قال السّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته فردوا مثلها ، أي فقولوا وعليكم السّلام ورحمة اللّه وبركاته ، فإنه مثلها ، قال ابن عباس رضي اللّه عنه : انتهى السّلام إلى البركة « 1 » ، ففي قوله « رُدُّوها » حذف مضاف ، أي ردوا مثلها ، و « أو » فيه تخيير بين الزيادة والرد ، والسّلام سنة على الكفاية ، والرد فرض على الكفاية ، وإذا قاله بعض سقط عن كل ، قيل : إذا قال رجل السّلام عليك بالإفراد فقل عليكم السّلام بالجمع ، لأن المؤمن لا يكون وحده ، ولكن معه الملائكة « 2 » ، وإذا سلم رجل على الخطيب أو على قارئ القرآن جهرا أو على معلم العلم الشرعي أو على الشارع في الأذان والإقامة لا يرد سلامه ، وقال عليه السّلام : « لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السّلام بينكم » « 3 » ، ولا سلام على امرأة أجنبية ولا على أهل بدعة وكفر ولعبة ، ويبدأ الأعلى بالسلام على الأدنى كالراكب والماشي على خلافهما ، ويسلم « 4 » الصغير على الكبير والأقل على الكثير ، وإذا سلم الذمي فقل : عليك ، بلا واو أو عليك مثله ، ولا تبادره بالسلام إلا لضرورة أو لحاجة لك عنده ( إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً ) [ 86 ] أي محاسبا يحاسبكم على السّلام وغيره ، وفيه تهديد عظيم . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 87 ] اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً ( 87 ) قوله ( اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) مبتدأ ، خبره القسم وجوابه ، تقديره : اللّه واللّه « 5 » ( لَيَجْمَعَنَّكُمْ ) أي ليحشرنكم ، واللام في جواب القسم ( إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ) أي في قبوركم إلى قيام الساعة للحساب والعذاب لمن كفر والثواب لمن آمن ، نزل للذين شكوا في البعث لرفع « 6 » الشك عنهم « 7 » بقوله ( لا رَيْبَ فِيهِ ) أي لا شك في ذلك اليوم عند المؤمن أو لا ينبغي أن يشك فيه عند كل عاقل ( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً ) [ 87 ] قرئ بالصاد الخالصة وبالزاء المشممة « 8 » ، أي لا أحد أصدق من اللّه كلاما ، لأنه منزه عن الكذب لقبحه وهو إخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه وهو لا يليق بذاته تعالى فآمنوا بما قال ووعد . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 88 ] فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ( 88 ) قوله ( فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ ) نزل في قوم هاجروا من مكة إلى المدينة مسلمين ، ثم رجعوا إلى مكة وكتبوا إلى رسول اللّه أنا على دينك ولكنا اشتقنا إلى بلدنا ، ولم نحتمل هواء المدينة ، فاختلف المسلمون في أمرهم من الإسلام والكفر « 9 » ، فبين اللّه لهم نفاقهم ، فقال : ما لكم صرتم في شأن المنافقين ( فِئَتَيْنِ ) أي فرقتين ولم تقطعوا بكفرهم ( وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ ) أي ردهم إلى حالهم الأول وهو الكفر ( بِما كَسَبُوا ) أي بسبب عملهم وهو ارتدادهم ولحوقهم بالمشركين ، ثم قال بالاستفهام للتوبيخ على الذين طلبوا هدايتهم عن الضلالة ( أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا ) أي ترشدوا ( مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ) عن الهدى ( وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ ) عن الهدى ( فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ) [ 88 ] أي طريقا إلى الحق وهو دين الإسلام . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 89 ] وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 89 )
--> ( 1 ) انظر البغوي ، 2 / 118 . ( 2 ) نقله المفسر عن السمرقندي ، 1 / 373 . ( 3 ) أخرجه مسلم ، الإيمان ، 93 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 2 / 119 . ( 4 ) يسلم ، ب س : سلم ، م . ( 5 ) تقديره اللّه واللّه ، ب : تقدير اللّه واللّه ، س ، تدبر واللّه ، م . ( 6 ) لرفع ، ب م : لدفع ، س . ( 7 ) أخذه عن السمرقندي ، 1 / 373 . ( 8 ) « أصدق » : قرأ الأصحاب ورويس باشمام الصاد الزاي ، وغيرهم بالصاد الخالصة . البدور الزاهة ، 82 . ( 9 ) عن مجاهد ، انظر الواحدي ، 143 ؛ والبغوي ، 2 / 120 .