أحمد بن محمود السيواسي
216
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
والإحرام ، ومعناها ارقبنا نكلمك وهي يحتمل الشتيمة « 1 » والإهانة باللسان العبري أو السرياني ، لأنهم كانوا يتسابون « 2 » بها أو كان غرضهم نسبة النبي عليه السّلام إلى الرعونة وهي الحماقة ، قوله ( لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ ) أي قلبا للكلام بها ، مفعول له أو مصدر في موضع الحال ، أي يقولون « 3 » ذلك لاوين ألسنتهم استهزاء ( وَطَعْناً فِي الدِّينِ ) أي قدحا فيه ( وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا ) أي ولو ثبت قولهم بدل « سَمِعْنا وَعَصَيْنا » « 4 » ( سَمِعْنا وَأَطَعْنا ) وبدل « اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ » « 5 » ( وَاسْمَعْ ) كلامنا ، وبدل « وَراعِنا » « 6 » ( وَانْظُرْنا ) أي انظر « 7 » إلينا رحمة لنا ( لَكانَ ) ذلك القول ( خَيْراً لَهُمْ ) لتحقيق الإيمان ( وَأَقْوَمَ ) أي أسد وأصوب من الطعن والتحريف ( وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ) أي ولكن اللّه خذلهم وأبعدهم عن الإيمان بكفر قلوبهم ( فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ) [ 46 ] أي إلا إيمانا ضعيفا وهو إيمانهم بموسى وكفرهم بمحمد عليهما السّلام ، ويجوز أن يكون ضعف إيمانهم لكونه بمجرد ألسنتهم لا فائدة فيه مع عدم التوبة ، ويجوز أن يراد ب « قَلِيلًا » عبد اللّه بن سلام وأصحابه من مؤمني أهل الكتاب . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 47 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً ( 47 ) ثم أوعدهم بالعقوبة الشديدة لعدم إيمانهم بالإخلاص بقوله ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) أي أعطوه من التورية ( آمِنُوا بِما نَزَّلْنا ) أي بالقرآن ( مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ ) من الكتاب ( مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ ) أي نمحو ونحول ( وُجُوهاً ) أي وجوه قوم ، فنجعلها كخف البعير بلا أنف ولا عين ولا حاجب كالأقفية قبل يوم القيامة ، وهذا معنى قوله ( فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها ) أو المراد من الطمس تسويد القلوب « 8 » ورينها ، ومن الرد ردها عن بصر الهداية على أدبارها في الضلالة ، والفاء للتعقيب ، يعني من قبل أن يعاقبوا بعقابين ، أحدهما عقيب الآخر ( أَوْ نَلْعَنَهُمْ ) أي نطردهم من الرحمة بالمسخ ( كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ ) أي كما مسخناهم القردة ( وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ ) أي عذابه ( مَفْعُولًا ) [ 47 ] أي كائنا لا محالة ، وهذا وعيد شديد لهم ليعتبروا ويرجعوا عن كفرهم إلى الإيمان بالتوبة والاستغفار . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 48 ] إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً ( 48 ) قوله ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ) مع عدم التوبة لعظم الشرك ، نزل حين أراد وحشي التوبة بعد قتله حمزة « 9 » رضي اللّه عنه يوم أحد وندامته عند الرجوع إلى مكة « 10 » ( وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ ) أي دون الشرك مع عدم التوبة ( لِمَنْ يَشاءُ ) أي لبعض عباده رحمة منه لهم ، ثم قال وحشي : لعلي أن أكون ممن لم يشاء اللّه ، فنزل « يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ » « 11 » الآية ، فلما سمعها ووجدها أوسع مما كان قبلها دخل هو وأصحابه في الإسلام « 12 » ، وفيها رد على من يقول من مات على كبيرة يخلد في النار ( وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى ) أي اختلق على اللّه ( إِثْماً عَظِيماً ) [ 48 ] أي كذبا كبيرا وهو الكفر ، قال عليه السّلام : « من مات ولم يشرك باللّه شيئا دخل الجنة ، ومن مات يشرك باللّه شيئا دخل النار » « 13 » ، وقال : « ما من عبد قال لا إله إلا اللّه ثم
--> ( 1 ) الشتيمة ، ب س : الشتمة ، م . ( 2 ) يتسابون ، ب س : يتساءلون ، م . ( 3 ) يقولون ، ب س : يقومون ، م . ( 4 ) النساء ( 4 ) ، 46 . ( 5 ) النساء ( 4 ) ، 46 . ( 6 ) البقرة ( 2 ) ، 104 . ( 7 ) انظر ، س : - ب م . ( 8 ) القلوب ، ب م : القلب ، س . ( 9 ) قتله حمزة ، ب م : قتل حمزة ، س . ( 10 ) عن الكلبي ، انظر البغوي ، 2 / 85 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 1 / 359 . ( 11 ) الزمر ( 39 ) ، 53 . ( 12 ) اختصره من السمرقندي ، انظر السمرقندي ، 1 / 359 . ( 13 ) أخرجه مسلم ، الإيمان ، 150 ، 151 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 2 / 86 .