أحمد بن محمود السيواسي

188

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

رد لقولهم ، لأن الأمر بيده ( وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) [ 156 ] بالتاء والياء « 1 » ، فلا تكونوا مثل هؤلاء المنافقين . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 157 ] وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 157 ) ( وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) أي واللّه إن قتلتم في الغزو للّه ( أَوْ مُتُّمْ ) في بكسر الميم ، من مات يمات ، وبضمها « 2 » من مات يموت ، وأنتم مؤمنون ( لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ) لذنوبكم بسببه ( وَرَحْمَةٌ ) أي ونعيم الجنة ، مبتدأ ، خبره ( خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) [ 157 ] بالتاء والياء « 3 » ، من حطام الدنيا في إقامتكم ، والجملة الاسمية ساد مسد جواب القسم المحذوف والشرط ، والمعنى : أن موتكم وقتلكم في سبيل اللّه وجهاده مع نيلكم المغفرة والرحمة من اللّه أفضل مما تجمعون من الأموال في الدنيا الفانية بالتقاعد والجبانة لأجله عن الجهاد في سبيل اللّه يا معشر المنافقين . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 158 ] وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ( 158 ) ثم أكد ذلك بقوله ( وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ ) في سبيل اللّه ( لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ) [ 158 ] أي لإلى الرحيم الواسع المغفرة والرحمة تبعثون بعد الموت ، فيجازيكم بالثواب العظيم لا إلى غيره فتظلمون . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 159 ] فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ( 159 ) قوله ( فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ) إظهار لكثرة شفقة النبي عليه السّلام على أمته مع ذكر منته تعالى عليه بتوفيقه إياه للرفق والتلطف بهم ، و « ما » زائدة للتوكيد والدلالة على اختصاص لينه « 4 » لهم برحمة اللّه تعالى ، أي فبرحمة منه تعالى لطفت بهم يا محمد وسهلت أخلاقك لهم حين عصوك وخالفوك ( وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا ) أي كريه الخلق ( غَلِيظَ الْقَلْبِ ) أي جافيه « 5 » ، خشن القول ( لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) أي لتفرقوا من عندك ، ولكن اللّه جعلك بارا ، رحيم القلب ، لينا لطيفا بهم ( فَاعْفُ عَنْهُمْ ) أي تجاوز عن فعلهم بأحد ( وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) أي اطلب المغفرة مني لذنوبهم ، يعني اشفع لهم حتى أشفعك ( وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) أي في أمر الحرب وغيره تطييبا « 6 » لقلوبهم أو استظهارا برأيهم فيما لم ينزل عليك وحي فيه ، قال عليه السّلام : « ما شقى عبد قط بمشورة وما سعد باستغناء رأي » « 7 » ( فَإِذا عَزَمْتَ ) على فعل بعد المشاورة ووضوح الرأي ( فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) لا على المشاورة ولا على أصحابها في إمضاء أمرك على الأرشد الأصلح ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) [ 159 ] عليه لا على غيره . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 160 ] إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 160 ) ثم أخبر أن النصرة كلها منه تعالى بقوله ( إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ ) كما في يوم بدر ( فَلا غالِبَ لَكُمْ ) من العدو ( وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ ) كما خذلكم في يوم أحد ( فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ ) أي يمنعكم من عدوكم ( مِنْ بَعْدِهِ ) أي بعد خذلانه ( وَعَلَى اللَّهِ ) وحده ( فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) [ 160 ] في النصرة « 8 » ، وقيد المؤمنين ، لأنهم عرفوا أنه لا ناصر لهم غيره وهذا تنبيه على أن الأمر كله له وعلى وجوب التوكل عليه . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 161 ] وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 161 )

--> ( 1 ) « تعملون » : قرأ المكي والأخوان وخلف بالياء التحتية ، والباقون بالتاء الفوقية . البدور الزاهرة ، 72 . ( 2 ) « متم » : قرأ نافع والأخوان وخلف بكسر الميم ، والباقون بضمها . البدور الزاهرة ، 72 . ( 3 ) « تجمعون » : قرأ حفص بياء الغيب ، والباقون بتاء الخطاب . البدور الزاهرة ، 72 . ( 4 ) لينه ، ب : لينة ، س م . ( 5 ) جافيه ، ب م : جافيا ، س . ( 6 ) تطييبا ، ب س : تطيبا ، م . ( 7 ) انظر السمرقندي ، 1 / 311 . ولم اعثر عليه في كتب الأحاديث المعتبرة التي راجعتها . ( 8 ) في النصرة ، ب م : - س .